التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦ - المقدمة
جبلّته الأولى التي فطر عليها. و هذا التجاوب يبدو- بكلّ وضوح- على محيّى كافّة تشريعاته و تنظيماته و جميع أحكامه الشاملة. الأمر الذي يجعل من هذا القانون السماوي الجامع، نظاما منبثقا من صميم الإنسانيّة، جاء ليؤمّن عليه جميع حاجاته النزيهة في مختلف شئون الحياة.
«فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ»[١].
كما و أنّه أتحف للبشريّة جمعاء بمعارف و تعاليم جليلة، كان المستوى البشري- و لا يزال- يقصر عن البلوغ إليها، لو لا سماح القرآن بمثلها- بكلّ سخاء- و جعلها في متناولها القريب، في أبلغ بيان و أبدع أسلوب حكيم.
«وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ»[٢] «عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ»[٣] «ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا»[٤].
و أخيرا: هيمنته الخارقة على نفوس بشريّة كبيرة، كانت تأبى الرضوخ لغير الحقّ الصريح، فأشرف بها على واقعيّة مشهودة كانت دلائل الصدق لائحة على محيّاها بوضوح، و من ثم استسلمت لقيادته الحكيمة مذ تعرّفت الى حقيقته الصارخة.
«لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَ الْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ»[٥].
تلك خصائص و ميزات بارزة امتاز بها هذا الكتاب الإلهي العظيم، الذي لم يكد يمض من انبثاق نوره اللئلاء أكثر من نصف قرن، حتى ملك رقاب أمم كبيرة، و سيطر على رقعة واسعة من الأرض كانت مهد الحضارة الإنسانيّة منذ زمن سحيق. فدوّخ صداه الأجواء، و هزّت لهيمنته العادلة أرجاء العالم المعمور.
الأمر الذي جعل من هذا القرآن موضع اهتمام العلماء و منصرف عناية
[١] الروم: ٣٠.
[٢] النساء: ١١٣.
[٣] العلق: ٥.
[٤] هود: ٤٩.
[٥] النساء: ١٦٢.