التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢ - الوحي عند فلاسفة الغرب
شخصيّة باطنة للإنسان، تسمّى بالروح، و علموا أنّها هي التي كوّنت جسمه في الرحم و هي التي تحرّك جميع عضلاته و أعضائه التي ليست تحت إرادته كالكبد و القلب و المعدة و غيرها، فهو إنسان بها لا بهذه الشخصيّة العاديّة .. عادوا يعترفون أيضا بالوحي، الوحي الذي يدّعيه الأنبياء ملء كتبهم النازلة المنسوبة الى السماء.
و لكن فسّروه تفسيرا يختلف عمّا قرّره علماء الدين الإسلامي- على ما سبق تعريفه بأنّه إلقاء من خارج الوجود إمّا قذفا في قلب أو قرعا في سمع-.
قالوا: الوحي عبارة عن إلهامات روحيّة تنبعث من داخل الوجود، أي الروح الواعية هي التي تعطينا تلكم الإلهامات الطيّبة الفجائيّة في ظروف حرجة، و هي التي تنفث في روع الأنبياء ما يعتبرونه و حيا من اللّه، و قد تظهر نفس تلك الروح المتقبّعة وراء جسمهم، متجسّدة خارجا فيحسبونها من ملائكة اللّه هبطت عليهم من السماء، و ما هي إلّا تجلّي شخصيّتهم الباطنة، فتعلّمهم ما لم يكونوا يعلمونه من قبل، و تهديهم الى خير الطرق لهداية أنفسهم و ترقية امتهم و ليس بنزول ملك من السماء ليلقي عليهم كلاما من عند اللّه.
هذا ما يراه العلم الأروبي التجريبي الحديث في مسألة الوحي.
و دليلهم على ذلك: أنّ اللّه أجلّ و أعلى من أن يقابله بشر أو يتصل به مخلوق، و أنّ الملائكة مهما قيل في روحانيّتهم و تجرّدهم عن المادّة فلا يعقل أنهم يقابلون اللّه أو يستمعون الى كلامه، لأنّ هذا كلّه يقتضي تحيّزا في جانبه تعالى، و يستدعي عدم التنزيه المطلق اللائق بشأنه جلّ شأنه. و لأنّ الملائكة مهما ارتقوا فلا يكونون أعلى من الروح الإنساني التي هي من روح اللّه نفسه، فمثلهم و مثلها سواء.
و بهذه النظريّة حاولوا حلّ ما عسى أن يصادفوه في بعض الكتب السماويّة من أنواع المعارف المناقضة للعلم الصحيح طبيعيّا و إلهيّا. فهم لا يقولون بأنّ تلك