التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٧ - التنزيل و التأويل
اختصاص الراسخين في العلم، ممّن ثبتوا على الطريقة فسقاهم ربهم ماء غدقا ..[١].
و من ثم قال الإمام أبو جعفر- بعد أن تلا الآية-: «نحن نعلمه» أي التأويل[٢] و في رواية اخرى: «تعرفه الائمّة»[٣].
*** قال تعالى: «وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ»[٤].
هذه الآية نموذج من الآيات ذوات الوجهين، لها تنزيل و لها تأويل، ظهر و بطن، و إنّما يعلم سرّها الكامن العامّ اولوا البصائر في الدين الائمّة المعصومون (عليهم السلام).
هذه الآية تبدو- في ظاهرها- متعارضة مع آيات توجب التوجّه في الصلاة شطر المسجد الحرام[٥] ... و لكن مع ملاحظة سبب النزول، و إنّه دفع لشبهة اليهود و رفع لارتيابهم في تحويل القبلة، يتبيّن أن لا معارضة، و يرتفع الإبهام عن وجه الآية ... ذلك أنّ الاستقبال في الصلاة و العبادات أمر اعتباري محض، ينوط باعتبار صاحب الشريعة في مصالح يراها مقتضية حسب الأحوال و الأوضاع، و ليس وجه اللّه محصورا في زاوية القدس الشريف أو الكعبة المكرّمة ..
و بذلك تنحلّ مشكلة الآية و ترتفع إبهامها، و أن ليس ترخيصا في الاتجاه بسائر الجهات ..
هذا .. و قد فهم الأئمة (عليهم السلام) أمرا آخر أيضا، استخرجوه من باطن الآية، حيث تأويلها المستمرّ ... و أنّها تعني جواز التطوّع بالنوافل الى حيث
[١] من الآية رقم ١٦ من سورة الجن.
[٢] بصائر الدرجات: ص ١٩٦ ح ٧.
[٣] بصائر الدرجات: ص ١٩٦ ح ٨.
[٤] البقرة: ١١٥.
[٥] البقرة: ١٤٤ و ١٤٩ و ١٥٠.