التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٧ - ٢٣ - سورة سبأ مكية
يروى عن فروة بن مسيك: أنّه سأل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أو سمع رجلا يسأله (صلى اللّه عليه و آله) عن سبأ: جبل أم أرض، رجل أم امرأة؟
فنزلت الآيات، و كان هذا السؤال بعد مرجعه من غزو قبائل سبأ، أرجعه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لأنّه لم يؤمر بذلك[١].
قال ابن الحصار: و هذا يدلّ على أنّ نزول الآيات كان بالمدينة، لأنّ مهاجرة فروة كانت بعد إسلام ثقيف سنة تسع من الهجرة[٢].
لكنه قال بعد ذلك: و يحتمل أن يكون قوله: «و انزل في سبأ ما انزل» حكاية عمّا تقدّم نزوله قبل الهجرة بمكة، لا نزوله حينذاك.
قلت: لو صدقت القصة لا بدّ من حمل قوله في ذلك على الحكاية، اذ يبعد جدا نزول آية أو آيات لمجرد سؤال رجل كان جوابه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) كافيا لارضاء حسّ استطلاعه- كما جاء في الرواية- و لم يستدع تفصيلا تعرّضت له الآيات.
على أنّ ملاحظة عبرى بشأن قصة سبأ كما وردت في القرآن تكفي للدلالة على أنّ الهدف منها عامّ كسائر القصص الواردة في القرآن تروم توجيه البشريّة الى معالم السير الصحيح، تنبيها لها على مواضع الخطأ في حياتها الغابرة لتأخذ منها درسا تسير عليه في حياتها الحاضرة.
و الصحيح في قصة فروة بن مسيك: أنّه سأل النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) عن قصة سبأ بعد أن قرأها في القرآن، فسأله (صلى اللّه عليه و آله) عن سبأ أرجل هو أم امراة، أم هو اسم أرض أم جبل؟ فشرح له النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أنّه رجل من العرب كان له من الأولاد كذا و كذا[٣]. و هذا يدلّ على تأخّر السؤال عن نزول الآيات.
[١] مجمع البيان: ج ٨ ص ٣٨٦. و جامع البيان: ج ٢٢ ص ٥٣. و الدر المنثور: ج ٥ ص ٢٣١.
[٢] الاتقان: ج ١ ص ١٦.
[٣] مجمع البيان: ج ٨ ص ٣٨٦.