التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٤ - ١١ - سورة الكهف مكية
و الآية بسياقها تشهد بأنّها مكيّة، نزلت توبيخا لصمود المشركين تجاه نزول القرآن و إباءهم عن الإيمان به، و تلميحا بأنّ هذا العناد هو أثر الجهل الأعمى و التوحّش الفادح الذي تمكّن من نفوسهم القاسيّة، أمّا أهل المدنية و الثقافة فإنّهم إذا لمسوا من حقيقة القرآن الواضحة يؤمنون به فورا بلا ارتياب، كناية بأن هؤلاء المشركين بعيدون عن الحضارة و العلم، و من ثم هذا التأنّف و الشموخ الجاهل!***
١١- سورة الكهف: مكيّة
استثنى بعضهم منها اثنتين و ثلاثين آية، زعمها نزلت بالمدينة. و هذا إسراف في القول، لأنّ هذا يعني: أنّ ثلث السورة، و لا سيّما ثماني آيات من أوّلها مدنيّة، فكان جديرا ثبتها في المدنيّات! قال جلال الدين: استثنى من أوّلها الى قوله: «جرزا» الآيات رقم: ١- ٨ نزلت بالمدينة[١].
و لا دليل لهذا الاستثناء إطلاقا، مضافا الى استلزامه أن تكون السورة مدنيّة لا مكيّة! لأنّ الاعتبار في المكيّة و المدنيّة إنما هو بمفتتح السورة و شيء من آيات من اوّلها. هذا و الإجماع منعقد على أنّ سورة الكهف مكيّة لا اختلاف فيها[٢].
و لعلّ المستثني نظر الى قوله تعالى: «وَ يُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً»[٣].
و لكن ذلك لا يستدعي نزولها بالمدينة لمناسبة وجود اليهود فيها، بل هي عامّة تشمل النصارى و المشركين أيضا، على أنّ نزول آية بشأن قصّة يهوديّة لا تستوجب مقارنة نزولها يوم كانوا ينابذون الإسلام، و الآيات بهذا النمط كثيرة
[١] نفس المصدر.
[٢] راجع الدر المنثور: ج ٤ ص ٢٠٨.
[٣] الكهف: ٤.