التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٥ - ٩ - سورة النحل مكية
و في رواية عن ابن عباس قوله: «وَ لا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا ... الى قوله: بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ»[١] نزلتا بالمدينة[٢].
قلت: أمّا الآية رقم ٤١ و ٤٢ فلا دلالة فيها على أنّ المراد هي الهجرة الثانية الى المدينة، بل الظاهر منها أنّها: الهجرة الأولى الى الحبشة، كما روي ذلك عن قتادة أيضا[٣] و أمّا القول بنزول ما بعد آية الأربعين الى آخر السورة بالمدينة فلا مستند له و سياق الآيات أيضا ينافيه.
و أمّا الآية رقم ٩٥ و ٩٦ فقيل: نزلت بشأن امرئ القيس الكندي، كان قد غصب أرضا من عبدان الأشرع الحضرموتي. فشكاه الى النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فأنكر امرؤ القيس، فاستحلفه فاستعظم أن يحلف كاذبا، فنزلت الآية[٤]. و هذه القصة وقعت بالمدينة! لكن القصة لم تثبت، و لهجة الآية عامّة، و سياقها يشهد بانسجامها الوثيق مع آيات قبلها، تهدف تقريعا عنيفا باولئك المشركين المعاندين. و ملاحظة عابرة بالآية تجعلنا نطمئن بأنّها مرتبطة تمام الارتباط مع الآية رقم: ٩١ «وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ» توكيدا منها، و تثبيتا بموقف المؤمنين آنذاك، فلا يشتروا بما عاهدوا اللّه عليه ثمنا بخسا: عرض هذه الحياة الدنيا، تجاه ما اعدلهم من عظيم الأجر و الثواب و حسن الخاتمة[٥].
*** و أمّا آية «وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ» فقد اختلف المفسّرون فيها على ثلاثة أقوال:
الأوّل: أنّها نزلت يوم أحد، عند ما وقف النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) على حمزة و قد مثّل به، فما كان أوجع لقلبه الكريم، فقال: أما و اللّه لامثّلنّ بسبعين،
[١] النحل: ٩٥- ٩٦.
[٢] مجمع البيان: ج ٦ ص ٣٤٧.
[٣] الدر المنثور: ج ٤ ص ١١٨.
[٤] مجمع البيان: ج ٦ ص ٣٨٤.
[٥] راجع الدر المنثور: ج ٤ ص ١٢٩.