التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٣ - ٢ - سورة الأنعام مكية
و قيل: نزلت في مشركي قريش، حيث أنكروا النبوّات رأسا[١].
قال أبو جعفر الطبري: و أولى هذه الأقوال بالصواب، هو القول الأخير، إذ لم يجر لليهود ذكر قبل ذلك. و ليس إنكار نزول الوحي على بشر ممّا تدين به اليهود، بل المعروف من دينهم الإقرار بصحف إبراهيم و موسى و زبور داود. و لم يكن الخبر بأنّها نزلت في اليهود خبرا صحيحا متصل السند، و لا أجمع المفسّرون على ذلك. و كان سياق السورة من أوّلها الى هنا جاريا في المشركين، فناسب أن تكون هذه الآية أيضا موصولة بما قبلها لا مفصولة منه. فلم يجز لنا أن ندّعي فصلها إلّا بحجّة قاطعة من خبر أو عقل. و لعلّ الذي أوقع هذا القائل في الوهم المذكور ما وجده في قوله تعالى: «تَجْعَلُونَهُ ...» على وجه الخطاب. و لكن الأصوب من القراءة أنّها بياء الغيبة[٢].
قلت: و نحن إذ نصادق أبا جعفر في هذا التحقيق، نضيف اليه: أنّ القصة التي ذكروها بشأن مالك بن الصيف في محاورته تلك مع النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) تتنافى تماما مع خلق رسول اللّه الكريم، النبيّ لا يجرح من عاطفة إنسان إطلاقا، كما و ننزّه كتاب اللّه العزيز عن التعرّض لهكذا امور تافهة لا قيمة لها، أو تنزل بشأنها آية!! إذن فقوله: «و علمتم ...» خطاب موجّه الى المشركين، بعد تلك الحكاية- بصورة الغيبة كما رجّحها أبو جعفر- عن أهل الكتاب.
و أمّا القراءة المشهورة بتاء الخطاب في الجميع، فلا تستدعي اختصاص الخطاب بأهل الكتاب، بل الى البشرية باعتبار فعل بعضهم ممّن نزل عليهم الكتاب. و لا سيّما و مساس العرب المشركين مع اليهود و مخالطتهم معهم في الجزيرة، و من ثمّ جاء الكلام عن بني إسرائيل في سور مكيّة كثيرا، كما في
[١] تفسير الطبري: ج ٧ ص ١٧٧. و مجمع البيان: ج ٤ ص ٣٣٣.
[٢] جامع البيان: ج ٧ ص ١٧٨. و هكذا وافقه سيد قطب في ظلال القرآن: ج ٧ ص ٣٠٢- ٣٠٣.