التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٠ - ١ - سورة الفاتحة مكية
على الاجتهاد دون النقل[١].
و نحن إذ نستطرق هذا الباب، نضرب عن كلّ ما قالوه بهذا الشأن صفحا، إذا لم يكن مستندا الى دليل مقبول. إذ لا شكّ أنّ الآيات كانت تسجّل تباعا في كلّ سورة بعد نزول بسملتها، واحدة تلو اخرى ترتيبا طبيعيا حسب النزول. أمّا أن تبقى آية مكيّة غير مسجلة في سورة، حتى تنزل سورة بالمدينة ثم تسجّل فيها، فهذا أمر غريب خارج عن طريقة الثّبت المعروف، كما أنّ آية مدنيّة تسجّل في سورة مكيّة بحاجة الى نصّ صريح خاص و ليس بالأمر الذي يتدخّل فيه الحدس أو الاجتهاد النظري! قال ابن حجر: و أمّا نزول شيء من سورة بمكة، ثم يتأخّر نزول أصل السورة الى المدينة، فلم أره إلّا نادرا، فقد اتفقوا على أنّ الأنفال مدنيّة، لكن قيل: إنّ قوله تعالى: «وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ...»[٢] نزلت بمكة، ثم نزلت سورة الأنفال بالمدينة. و هذا غريب جدا[٣]. و سوف نذكر بطلان هذه المزعومة! و إليك نماذج من النوعين مردفة بما نشير إليه من تحقيق الرأي إجماليّا:
استثناءات من سور مكيّة:
١- سورة الفاتحة: مكيّة
حكى أبو الليث السمرقندي قولا بأن نصفها نزلت بالمدينة.
قال جلال الدين: لا دليل لهذا القول[٤]. كما سبق: أنّها من أوائل ما نزلت بمكة كاملة، و كان المسلمون يقرءون بها في الصلاة.
[١] الإتقان: ج ١ ص ١٤.
[٢] الانفال: ٣٠.
[٣] فتح الباري: ج ٩ ص ٣٨.
[٤] الإتقان: ج ١ ص ١٢ و ١٤.