تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة - سبط ابن الجوزي - الصفحة ٤٧ - تفسير غريب هذه الواقعة
الجاهليّة، و كان لها راية مثل البيطار تعرف بها، و كانت تسمّى أم حبتل الزّرقاء، و كان مروان لا يعرف له أب، و إنّما نسب إلى الحكم، كما نسب عمرو إلى العاص.
و أمّا قوله عليه السّلام: «يا ابن طريد رسول اللّه»، يشير إلى الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس، أسلم الحكم يوم الفتح[١]، و سكن المدينة، و كان ينقل أخبار رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم إلى الكفّار من الأعراب و غيرهم، و يتجسّس عليه[٢].
قال الشّعبي: و ما أسلم إلّا لهذا، و لم يحسن إسلامه، و رآه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم يوما و هو يمشي و يتخلّج في مشيته يحاكي[٣] رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم، فقال له: «كن كذلك»، فما زال يمشي كأنّه يقع على وجهه، و نفاه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم إلى الطّائف و لعنه[٤].
[١] - خ: أظهر الحكم الإسلام يوم الفتح.
[٢] - انظر التّعليقة التّالية.
[٣] - أ و ج و ش: يحكي.
[٤] - قال أبو عمر ابن عبد البرّ في ترجمة الحكم بن أبي العاص من الاستيعاب ١/ ٣٥٩ تحت الرقم ٥٢٩: اختلف في السّبب الموجب لنفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم إيّاه، فقيل: كان يتحيّل و يستخفي و يتسمّع ما يسرّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم إلى كبار الصّحابة في مشركي قريش و سائر الكفّار و المنافقين، فكان يفشي ذلك[ عنه حتّى ظهر ذلك] عليه، و كان يحكيه في مشيته و بعض حركاته إلى أمور غيرها كرهت ذكرها.
ذكروا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم كان إذا مشى يتكفّأ، و كان الحكم بن أبي العاص يحكيه، فالتفت النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم يوما فرآه يفعل ذلك، فقال صلّى اللّه عليه و سلّم:« فكذلك فلتكن»، فكان الحكم مختلجا يرتعش من يومئذ، فعيّره عبد الرحمان بن حسّان بن ثابت، فقال في عبد الرحمان بن الحكم يهجوه:
|
إنّ اللّعين أبوك فارم عظامه |
إن ترم ترم مخلّجا مجنونا |
|
--
|
يمسي خميص البطن من عمل التقى |
و يظلّ من عمل الخبيث بطينا |
|
فأمّا قول عبد الرحمان بن حسّان:« إنّ اللعين أبوك»، فروي عن عائشة من طرق ذكرها ابن أبي خيثمة و غيره أنّها قالت لمروان، إذا قال في أخيها عبد الرحمان[ بن أبي بكر] ما قال: أمّا أنت يا مروان فأشهد أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم لعن أباك و أنت في صلبه.
و عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم:« يدخل عليكم رجل لعين»، قال عبد اللّه: و كنت قد تركت عمرا يلبس ثيابه ليقبل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فلم أزل مشفقا أن يكون أوّل من يدخل، فدخل الحكم بن أبي العاص.
أقول: و انظر أيضا جملة من روايات لعنه على لسان الصّادق الأمين صلّى اللّه عليه و اله و سلّم في ما رواه الحاكم في كتاب الفتن و الملاحم من المستدرك ٤/ ٤٨١، و ابن عساكر في ترجمة مروان من تاريخ دمشق- مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ٢٤/ ١٩١-، و ابن الأثير في ترجمة الحكم بن أبي العاص من أسد الغابة ٢/ ٣٣- ٣٤، و المتّقي في كنز العمّال ١١/ ٣٥٧- ٣٦١ برقم ٣١٧٢٩- ٣١٧٤٦ في عنوان:« أمر بني الحكم»، و ابن منظور في لسان العرب ٧/ ٢٠٨ و ٤٥٢ في مادّة:« فضض» و« فظظ»، و القرطبي في تفسيره ١٠/ ٢٨٦ ذيل الآية ٦٠ من سورة الإسراء، و العلّامة الأميني في الغدير ٨/ ٢٤٢ في ترجمة الحكم، و ابن أبي الحديد في ترجمة مروان من شرح نهج البلاغة ٦/ ١٤٨ ذيل المختار ٧٢ من باب الخطب، و ابن حجر في ترجمة الحكم من الإصابة ٢/ ١٠٤ برقم ٨٧٨٣، و في المطالب العالية ٤/ ٣٢٩ رقم ٤٥٢١ و تواليه، في عنوان:« باب لعن رسول اللّه الحكم بن العاص و بنيه و بني أميّة».
و قال ابن الأثير في مادّة« خلج» من النّهاية ٢/ ٦٠: و في حديث عبد الرحمان بن أبي بكر« إنّ الحكم بن أبي العاص كان يجلس خلف النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، فإذا تكلّم اختلج بوجهه، فرآه، فقال له:« كن كذلك»، فلم يزل يختلج حتّى مات»، أي كان يحرّك شفتيه و ذقنه استهزاء و حكاية لفعل النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، فبقي يرتعد و يضطرب إلى أن مات.
و في رواية: فضرب به شهرين، ثمّ أفاق خليجا، أي صرع ثمّ أفاق مختلجا قد أخذ لحمه و قوّته، و قيل:
مرتعشا.