تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة - سبط ابن الجوزي - الصفحة ٤٧٢ - فصل في ذكر ولده الإمام علي الرضا عليه السلام
قال الواقدي: و لمّا كان[١] سنة مئتين بعث إليه المأمون فأشخصه من المدينة إلى خراسان ليولّيه العهد بعده، و الذي أشخصه فرناس الخادم[٢] و [رجاء] بن أبي الضّحاك[٣].
فلمّا وصل إلى نيسابور؛ خرج إليه علمائها مثل يحيى بن يحيى، و إسحاق بن راهويه، و محمّد بن رافع، و أحمد بن حرب، و غيرهم، لطلب الحديث و الرّواية عنه و التّبرّك به.
فأقام بنيسابور مدّة و المأمون بمرو؛ ثمّ استدعاه و ولّاه العهد بعد وفاته[٤]، و سمّاه
[١] - ش و م: كانت.
[٢] - ج و ش و م و ن: قرناس الخادم.
[٣] - انظر شرح الأخبار للقاضي النّعمان ٣/ ٣٣٩، و الإرشاد للشّيخ المفيد ٢/ ٢٥٩.
[٤] - قال الشّيخ المفيد في الإرشاد ٢/ ٢٥٩:[ قال المأمون للرّضا عليه السّلام:] إنّي أريد أن أخلع نفسي من الخلافة و أقلّدك إيّاها، فما رأيك في ذلك؟ فأنكر الرّضا عليه السّلام هذا الأمر و قال له:« أعيذك باللّه يا أمير المؤمنين من هذا الكلام، و أن يسمع به أحد»، فردّ عليه الرّسالة: فإذا أبيت ما عرضت عليك فلا بدّ من ولاية العهد من بعدي، فأبى عليه الرّضا إباء شديدا، فاستدعاه إليه و خلا به و معه الفضل بن سهل ذو الرّئاستين، ليس في المجلس غيرهم و قال له: إنّي قد رأيت أن أقلّدك أمر المسلمين، و أفسخ ما في رقبتي و أضعه في رقبتك.
فقال له الرّضا عليه السّلام:« اللّه اللّه يا أمير المؤمنين، إنّه لا طاقة لي بذلك، و لا قوّة لي عليه»، قال له: فإنّي مولّيك العهد من بعدي، فقال له:« أعفني من ذلك يا أمير المؤمنين»، فقال له المأمون كلاما فيه كالتّهدّد له على الامتناع عليه.
و قال له في كلامه: إنّ عمر بن الخطّاب جعل الشّورى في ستّة أحدهم جدّك أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب-- و شرط فيمن خالف منهم أن تضرب عنقه، و لا بدّ من قبولك ما أريده منك، فإنّني لا أجد محيصا عنه.
فقال له الرّضا عليه السّلام:« فإنّي أجيبك إلى ما تريد من ولاية العهد، على أنّني لا آمر، و لا أنهى، و لا أفتي، و لا أقضي، و لا أولّي، و لا أعزل، و لا أغيّر شيئا ممّا هو قائم»، فأجابه المأمون إلى ذلك كلّه.
أخبرني الشّريف أبو محمّد الحسن بن محمّد قال: حدّثنا جدّي، قال: حدّثني موسى بن سلمة، قال: كنت بخراسان مع محمّد بن جعفر، فسمعت أنّ ذا الرئاستين خرج ذات يوم و هو يقول: وا عجباه! و قد رأيت عجبا، سلوني ما رأيت؟ فقالوا: و ما رأيت أصلحك اللّه؟ قال: رأيت المأمون أمير المؤمنين يقول لعليّ بن موسى الرّضا:
قد رأيت أن أقلّدك أمور المسلمين، و أفسخ ما في رقبتي و أجعله في رقبتك، و رأيت عليّ بن موسى يقول:« يا أمير المؤمنين لا طاقة لي بذلك و لا قوّة»، فما رأيت خلافة قطّ كانت أضيع منها، إنّ أمير المؤمنين يتفصّى منها و يعرضها على عليّ بن موسى، و عليّ بن موسى يرفضها و يأبي.
و قال أيضا في ص ٢٦٣: ذكر المدائني عن رجاله قال: لمّا جلس الرّضا عليّ بن موسى عليه السّلام في الخلع بولاية العهد، قام بين الخطباء و الشّعراء و خفقت الألوية على رأسه، فذكر عن بعض من حضر ممّن كان يختصّ بالرّضا عليه السّلام أنّه قال: كنت بين يديه في ذلك اليوم، فنظر إليّ و أنا مستبشر بما جرى، فأومأ إليّ أن ادن منّي، فدنوت منه، فقال لي من حيث لا يسمعه غيري:« لا تشغل قلبك بهذا الأمر و لا تستبشر به، فإنّه شيء لا يتمّ».
و قال القاضي النّعمان في شرح الأخبار ٣/ ٣٤٠:[ قال المأمون للرّضا عليه السّلام:] يا أبا الحسن، إنّي أعطيت اللّه عهدا و لست تاركه حتّى أصيّر هذا الأمر إليك من بعدي، و قد علمت أنّ عمر بن الخطّاب أدخل عليّا في الشّورى، و أمر بضرب عنقه إن لم يصر إلى أمره. و لم يزل به حتّى أجابه ...
و قال ابن شهر آشوب في المناقب ٤/ ٣٩٤: و انظر الرّضا عليه السّلام إلى وليّ له و هو مستبشر بما جرى، فأومأ إليه أن ادن، فدنا منه فقال سرّا:« لا تشغل قلبك بهذا الأمر و لا تستبشر، فإنّه شيء لا يتمّ».
فسمع منه و قد رفع يده إلى السّماء و قال:« اللّهمّ إنّك تعلم أنّي مكره مضطرّ، فلا تؤاخذني كما لم تؤاخذ عبدك و نبيّك يوسف حين دفع إلى ولاية مصر».
[ قال] محمّد بن عرفة: قلت للرّضا عليه السّلام: يا ابن رسول اللّه، ما حملك على الدّخول في ولاية العهد؟! فقال:« ما حمل جدّي أمير المؤمنين على الدّخول في الشّورى».
و ليلاحظ أيضا ما رواه الشّيخ الصّدوق في الباب ١٧٣ من علل الشّرائع في عنوان:« العلّة التي من أجلها قبل الرّضا عليه السّلام من المأمون ولاية عهده» رقم ١- ٣، و أبو الفرج في ترجمته عليه السّلام من مقاتل الطالبيّين ص ٤٥٤ و ما بعده.