تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة - سبط ابن الجوزي - الصفحة ٤٦٢ - فصل في ذكر ولده الإمام موسى الكاظم عليه السلام
خرجت حاجّا في سنة تسع و أربعين و مئة فنزلت القادسيّة[١] و إذا بشابّ حسن الوجه، شديد السّمرة، عليه ثوب صوف، مشتمل بشملة، في رجليه نعلان، و قد جلس منفردا عن النّاس، فقلت في نفسي: هذا الفتى من الصّوفيّة، يريد أن يكون كلّا على النّاس، فو اللّه لأمضينّ إليه و لأوبخنّه، فدنوت منه، فلمّا رآني مقبلا قال: «يا شقيق، اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِ»[٢] الآية، فقلت في نفسي: هذا عبد صالح[٣] قد نطق على ما في خاطري لألحقنّه و لأسألنّه أن يحالّني، فغاب عن عيني.
فلمّا نزلنا واقصة[٤] إذا به يصلّي و أعضاؤه تضطرب، و دموعه تتحادر، فقلت:
أمضي إليه و أعتذر[٥]، فأوجز في صلاته و قال[٦]: «يا شقيق، وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى»[٧]، فقلت: هذا من الأبدال[٨]، قد تكلّم على سرّي مرّتين.
فلمّا نزلنا زبالة[٩] إذا به قائم على البئر و بيده ركوة يريد أن يستقي ماء، فسقطت الرّكوة في البئر، فرفع طرفه إلى السّماء و قال: «أنت ربّي إذا ظمئت إلى الماء، و قوتي
[١] - ش و ن: بالقادسيّة.
[٢] - الحجرات: ٤٩/ ١٢.
[٣] - خ: رجل صالح.
[٤] - واقصة: منزل بطريق مكّة بعد القرعاء نحو مكّة و قبل العقبة، و هي دون زبالة بمرحلتين.
( معجم البلدان).
[٥] - ج و ش: فأعتذر.
[٦] - أ و ج و م و ن: ثمّ قال. ش: فقال.
[٧] - طه: ٢٠/ ٨٢.
[٨] - الأبدال: قوم من الصّالحين لا تخلو الدّنيا منهم، سمّوا بذلك لأنّهم كلّما مات واحد منهم أبدل اللّه مكانه آخر.
انظر النّهاية ١/ ١٠٧، و مجمع البحرين ٥/ ٣١٩:« بدل».
[٩] - زبالة: منزل معروف بطريق مكّة من الكوفة، و هي قرية عامرة بها أسواق بين واقصة و الثّعلبيّة.
( معجم البلدان). و في النّسخ: زبالا.