تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة - سبط ابن الجوزي - الصفحة ٢٩ - ذكر ما جرى له بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام
منّي بمنزلة هارون من موسى[١]، و أنت أخي في الدّنيا و الآخرة[٢].
و أنت يا معاوية، نظر النّبيّ صلى اللّه عليه و سلّم إليك يوم الأحزاب، فرآى أباك على جمل يحرّض النّاس على قتاله، و أخوك [عتبة] يقود الجمل و أنت تسوقه، فقال صلى اللّه عليه و سلّم: لعن اللّه الرّاكب و القائد و السّائق، و ما قابله أبوك في موطن إلّا و لعنه، و كنت معه، و ولّاك عمر الشّام فخنته، ثمّ ولّاك عثمان فتربّصت عليه، و أنت الذي كنت تنهى أباك عن الإسلام حتّى قلت مخاطبا له:
|
يا صخر لا تسلمنّ طوعا فتفضحنا |
بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا[٣] |
|
|
لا تركننّ إلى أمر تقلّدنا |
و الرّاقصات بنعمان به الحرقا[٤] |
|
و كنت يوم بدر و أحد و الخندق و المشاهد كلّها تقاتل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم، و قد علمت الفراش الذي ولدت عليه».
ثمّ التفت إلى عمرو بن العاص و قال: «أمّا أنت يا ابن النّابغة، فادّعاك خمسة من قريش، غلب عليك ألأمهم، و هو العاص، و ولدت على فراش مشترك، و فيك نزل: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ[٥]، و كنت عدوّ اللّه و عدوّ رسوله و عدوّ المسلمين، و كنت أضرّ
[١] - تقدّم تخريج مصادره في الباب الثّاني من الكتاب ص ١٩٩ من الجزء الأوّل.
[٢] - ش: و في الآخرة.
تقدّم تخريج مصادر الحديث في الباب الثّاني من الكتاب ص ٢٣٥ من الجزء الأوّل.
[٣] - ج و ش: أصبحوا فرقا.
[٤] - في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:« يوما» بدل« طوعا»، و« فرقا» بدل« مزقا»، و« تكلّفنا» بدل« تقلّدنا»، و« به في مكّة الخرقا» بدل« بنعمان به الحرقا». و مثل الأخير في مقتل الحسين عليه السّلام للخوارزمي.
[٥] - الكوثر: ١٠٨/ ٣.
قال العلّامة الأميني في ترجمة عمرو بن العاص من الغدير ٢/ ١٢٠ ما ملّخصه: أبوه[ أي العاص] هو الأبتر بنصّ الذّكر الحميد: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ و عليه أكثر أقوال المفسّرين و العلماء، و في بعض التّفاسير و إن جاء ترديد بينه و بين أبي جهل و أبي لهب و عقبة بن أبي معيط و غيرهم، إلّا أنّ القول الفصل ما ذكره الفخر الرّازي من-- أنّ كلّا من أولئك كانوا يشنّئون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله إلّا أنّ ألهجهم به و أشدّهم شنئة العاص بن وائل، فالآية تشملهم أجمع، و يخصّ اللّعين بخزي آكد، و لذلك اشتهر بين المفسّرين أنّه هو المراد.
و روى التّابعيّ الكبير سليم بن قيس الهلالي في كتابه أنّ الآية نزلت في المترجم[ أي عمرو] نفسه، كان أحد شانئي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله لمّا مات ولده إبراهيم فقال: إنّ محمّدا قد صار أبتر لا عقب له.
و ذكّره بذلك أمير المؤمنين عليه السّلام في أبيات له. و ذكّره بذلك[ أيضا] عمّار بن ياسر يوم صفّين و عبد اللّه بن جعفر.
فالمترجم له هو الأبتر ابن الأبتر، و بذلك خاطبه أمير المؤمنين عليه السّلام في كتاب له بقوله:« من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى الأبتر ابن الأبتر عمرو بن العاص شانئ محمّد و آل محمّد في الجاهليّة و الإسلام».