الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٦٦ - أحوال بني إسرائيل
وما برحوا على ذلك حتّى سلّط اللَّه عليهم عباداً أُولى بأس شديد، وهم الكلدانيّون، وفي مقدّمتهم بخت نصّر (نبوخذ نصّر)[١]، ففعل بهم ما لم تفعله الفراعنة بأسلافهم، فجعلهم جذاذاً[٢]، وأحرقهم أحياءً، وصار يعاقب عليهم الكرّة بعد الكرّة، ويغزوهم في بلادهم من فلسطين مرّة إثر مرّة.
وأعظم ما هنالك بليّة أنّه أحرق كتبهم المقدّسة وهياكلهم المعظّمة، واكتسح أُورشليم (بيت المقدس)، وفرّقهم في الأرض عباديد[٣]، وردّهم بعد الملك- وهم الأحرار- كالعبيد. ولم تزل الملوك من بعد هذا الطاغية تسير بهم في أوعر السبل وأخشن المسالك، تسومهم الهوان والخسف وتجرّعهم مصبّرة الحتف، وضُربت عليهم الذلّة والمسكنة، حتّى أمعنت بهم أرجلهم في الهرب من الرهب، وتفرّقوا أيدي سبأ[٤] في شاسعات البلاد وزوايا الأرض أوزاع مشتّتين خلف كلّ باب من عمران أو يباب[٥]، طوى الدهر عليهم ما يناهز العشرة قرون وهم على ذاك ومثله.
[١] - نبوخذ نصّر أو بخت نصّر ملك بابل المعروف، كان نائباً للملك لهراسف ملك الفرس، ولم يكن ملكاً مستقلّاً، وكان محبّاً للعلم مقرّباً للعلماء والحكماء سفّاكاً للدماء، وفي السنة الرابعة من ملكه سار بالجيوش إلى الشام وغزا بني إسرائيل، لما حصل منهم من فعل القبيح والتغيير والتبديل، فسباهم السبي المعروف بالسبي البابلي، ثمّ غزاهم مرّة أُخرى وخرّب بيت المقدس وسباهم كذلك، ومن الأنبياء الذين كانوا في زمنه: دانيال، وحزقيل، وأرميا عليهم السلام. هلك سنة ٥٦٢ ق. م ببعوضة دخلت دماغه على ما قيل.
( الأُنس الجليل ١: ١٤٨- ١٥٤، المنجد في الأعلام ٥٧١).
[٢] - الجذاذ: قِطَع ما كُسِرَ.( العين للفراهيدي ٦: ١١).
[٣] - العباديد: الفرق من الناس الذين يذهبون في كلّ وجه.( صحاح اللغة ٢: ٥٠٤).
[٤] - راجع مجمع الأمثال ١: ٣٨٤.
[٥] - أرض يباب، أي: خراب.( القاموس المحيط ١: ١٤٦).