الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٣ - الأمر الأول في بدء نشأة الإنسان وعجزه وجهله وحاجته
والملكات، واختلافه في المنازع والمطامح حسب اختلاف نشآته وأدوار حياته.
كلّا، فإنّها وإن كانت مباحث شريفة وفلسفة عالية، ولكنّي أجد ما أتوخّاه من القصد يتسنّى بيانه دون اقتحام هذه العقبة أو تولّج تلك اللجّة.
إنّ الغرض الذي أُحاول وضعه أساساً أوّلياً لما بعده ما هو إلّاأمر بمكان من البساطة والوضوح والجلاء والظهور..
ألا وهو: أنّ الإنسان مهما اتّسعت معارفه وارتفعت مداركه واستبحرت علومه وتعاظمت مقدرته وتفاخمت قوّته وانبسطت ثروته وسعته، ما هو بالنظرة الثانية إلّامغمور بالجهل مرتطم بالعجز مرتهن بالبلاء معقود بناصيته الحاجة والعناء والمشقّة والشقاء.
فإنّنا بالنظرة الأُولى وإن كنّا نحسب أنّ تلك الخلال أمسّ وألصق بالولدان والأطفال، ولكنّنا إذا أنعمنا الفكر وأمعنّا النظر ومحّصنا الجوهريات والحقائق وجدناها في الرجال أشدّ وأقوى وأمرّ وأدهى.
ألا- بربّك الكريم- أيّ إنسان من عامّة البشر تقدر أن تقول عليه: إنّ معلوماته أكثر من مجهولاته، وقدرته أكبر من عجزه، وغناه بذاته أوفر من حاجته؟!
تدبّر هذه الجملة، ثمّ احكم، ولا تبادر بالحكم قبل الغور فيها والوصول إلى أعماق تخومها، فنكون بوادٍ وأنت بآخر.
خذ إليك أشهر العلماء الاختصاصيّين وأكبر الحكماء الراسخين من ذوي الموسوعات والإحاطات بعامّة العلوم من الغابرين والعصريّين، تجدهم كلّما اتّسعوا في العلم والمعرفة تطامنوا إلى الاعتراف بأنّ ما يجهلون أكثر ممّا يعلمون وما خفي عليهم أعظم ممّا ظهر لهم.