الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٨١ - تتمة المبحث السابق، وبيان مزايا القرآن
مثل ذلك: أنّه لو جاء رجل فادّعى الحذاقة والمهارة في الطبّ، فطولب ببيّنة على دعواه وآية تدلّ على صدق ما انتحله وانتحاه، فعزم على إثبات صحّة ما ادّعى وإظهار ما جمع ووعى:
فتارةً يقول: إنّ آية ذلك أنّي أمشي على الماء وأصعد في الهواء، وما أشبه ذلك من خوارق العادات وعجائب الحادثات، ثمّ فعل ذلك، فإنّه لا يشكّ أحد- حسب العادة- بصدقه والتعويل على قوله وتسليم النفس إلى علاجه وإصلاح مزاجه قبل الاطّلاع على حذاقته في دعوى طبابته، على أنّ دليله لم يكن من سنخ دعواه ولا من جنس ما أعرب عن نفسه وحكاه.
وتارةً يقول: إنّي أُعالج هذا الحيوان الذي قد أشفى وأُعافيه وقد عفى من الحياة واستعفى، ثمّ تعدّد منه ما اعتدّه من ذلك لمن استدارت به هالة المهالك، وإنّ تلك الآية وإن كانت أعجب وأرغب، ولكن مثل هذه بالدعوى ألصق وإليها أقرب، بل قد صارت الدعوى بنفسها دليلًا على نفسها وبرهاناً على صدقها وصحّتها.
ومعجزة نبيّنا صلى الله عليه و آله و سلم في هذا الفرقان العزيز والسجل الوجيز قد فاق معجزات جميع الأنبياء بهذه الصفة وامتاز بتلك الخاصّة.
فإنّ صاحب هذه الشريعة (أعزّ اللَّه به دينه وأعمر بها أرضه) قد جاء إلى هذه الأُمّة الضالّة التائهة في أودية الجهالة وسوء الأخلاق ورفض العلوم والحرمان من العارف، فادّعى أنّه (صلوات اللَّه عليه) رسول من اللَّه إليهم؛ لإصلاح فاسدهم وتقويم معوّجهم ومنآدهم[١]، وقال: إنّ معجزتي وآيتي على
[١] - المنآد: المائل.( جمهرة اللغة ٢: ٦٨٦ و ١٠٦٢).