الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤٩ - الكلام في المعجزة
ذلك اللفظ الذي لم يظهر إلى اليوم حقيقة معناه على الوجه الذي يذهبون إليه، ولا نفهم كعامّة أهل اللسان من قوله (تعالى): «وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ»[١] وأمثالها إلّاالمعنى الجلي الظاهر، وهو: ما فعله الإنسان وحصّله بإرادته ومباشرته. وهم يريدون من الكسب سوى ذلك.
وعلى أيٍّ، فليس الغرض هنا الخوض في هذه الغمرة بعدما خضنا لُجّتها وكشفنا غُمّتها في أُخريات الجزء الأوّل من هذا الكتاب[٢]، وأقمنا البراهين الجليّة التي لا تُدفع على أنّ الأفعال كلّها من فعل العباد بإقدار اللَّه للعبد على الفعل والترك، وباختياره يترجّح أحدهما على الآخر، وبذلك يصحّ اتّصاف الإنسان بالقدرة.
ويتّسع لنا القول بمثل هذا في سائر الفواعل الطبيعية سوى أنّها فواعل قسرية لا إرادية.
ونعود إلى استيفاء البحث بنقل كلام (ابن رشد) الذي ناقض به فلسفة (الغزالي)، وهدّ بحديد أفكاره دعائمها، فإنّه قد أصاب المحزّ وطبّق المفصل[٣] وإن كان لا يخلو من بعض المؤاخذات عليه، ولكنّها غير ضائرة بجوهر غرضه.
فمن بعض كلامه في: (تهافت التهافت) بحرفه:
(أمّا إنكار وجوب الأسباب الفاعلة التي تشاهد في المحسوسات فقولٌ سفسطائي.
والمتكلّم بذلك إمّا جاحد بلسانه لما في جنانه، وإمّا منقاد لشبهة
[١] - سورة الشورى ٤٢: ٣٠.
[٢] - راجع ج ١ ص ٣٦٤ وما بعدها وص ٤١٤ وما بعدها.
[٣] - هذا تعبير يقال للرجل إذا أصاب الحجّة، أو إذا كان بليغاً.( لسان العرب ٨: ١٢٣)، وعدّ من الأمثال في العقدالفريد ٢: ١٨٨ و ١٢٢.