الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٤٥ - بحث المتشابهات في القرآن
وحكمه.
فكيف! وقد ساعده على ذلك رفيقه، ووافقه شقيقه، وصرّح صاحب تلك المعجزة البيّنة في كلام نفسه وكلام مرسله، وملأ الملأ منادياً في قومه: يا قومي، إنّ في كلامي وكلام مُرسلي محكمات فخذوا بها واتّبعوها، وفيه متشابهات فلا تتعرّضوها، فلستم المكلّفين بها والمعنيّين منها، بل لها أهل من خاصّة عباد اللَّه هم أعرف برموزها وإشاراتها[١] ومعاني عباراتها، فلا تتكلّفوها فتضلّوا.
وقد أشرب هذا المعنى وأعلن به؛ حتّى لا تبقى لأحد حجّة ولا تقوم له في الضلالة معذرة.
وقد أثبت ذلك في قانون شريعته ولسان معجزته، منه: قوله (تعالى طوله): «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ»[٢] على الأوجه من العطف لا الاستئناف[٣]، وتكون الجملة على الحال،
[١] - وهي من قبيل ما كان يسمّونه( بالشفرة) من الاصطلاح الخاصّ بين الملك وخاصّة وزرائه.( منه رحمه الله).
[٢] - سورة آل عمران ٣: ٧.
[٣] - راجع التبيان في إعراب القرآن ١: ١٩٤. وقد رجّح الفرّاء العكس- أي: الاستئناف لا العطف- في معاني القرآن ١: ١٩١.
وانظر: الكشّاف ١: ٣٣٨، مجمع البيان ٢: ٢٤١، تفسير الفخر الرازي ٧: ١٩١- ١٩٣.
قال الطبرسي:( اختلف في نظمه وحكمه- أي: قوله تعالى:« وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» على قولين:
أحدهما: إنّ« الرَّاسِخُونَ» معطوف على« الله» بالواو، على معنى: أنّ تأويل المتشابه، يعلمه إلّا اللَّه وإلّا الراسخون في العلم، فإنّهم يعلمونه. و« يَقُولُونَ» على هذا في موضع النصب على الحال، وتقديره: قائلين:« آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا»، كقول ابن المفرّغ الحميري:
|
الريح تبكي شجوَةً |
والبرقُ يلمعُ في غمامِه |
|
أي: والبرق يبكي أيضاً لامعاً في غمامه.
وهذا قول ابن عبّاس، والربيع، ومحمّد بن جعفر بن الزبير، واختيار أبي مسلم، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، فإنّه قال:« كان رسول اللَّه أفضل الراسخين في العلم، قد علم جميع ما أنزل اللَّه عليه من التأويل والتنزيل، وما كان اللَّه لينزل عليه شيئاً لم يعلّمه تأويله، وهو وأوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه».
وممّا يؤيّد هذا القول: أنّ الصحابة والتابعين أجمعوا على تفسير جميع آي القرآن، ولم نرهم توقّفوا على شيء منه، ولم يفسّروه بأن قالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلّااللَّه، وكان ابن عبّاس يقول في هذه الآية: أنا من الراسخين في العلم.
والقول الآخر: إنّ الواو في قوله:« وَ الرَّاسِخُونَ» واو الاستئناف. فعلى هذا القول يكون تأويل المتشابه: لا يعلمه إلّااللَّه تعالى، والوقف عند قوله:« وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ» ويبتدئ:« وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ»، فيكون مبتدأً وخبراً.
وهذا قول عائشة، وعروة بن الزبير، والحسن، ومالك، واختيار الكسائي، والفرّاء، والجبّائي.
وقالوا: إنّ الراسخين لا يعلمون تأويله، ولكنّهم يؤمنون به. فالآية راجعة- على هذا التأويل- إلى العلم بمدّة أجل هذه الأُمّة، ووقت قيام الساعة وفناء الدنيا، ووقت طلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى، وخروج الدجّال، ونحو ذلك ممّا استأثر اللَّه بعلمه. ويكون التأويل على هذا القول بمعنى المتأوّل، كقوله:« هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ»، يعني: الموعود به، وقوله:« كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا»، معناه: المحكم والمتشابه جميعاً من عند ربّنا).( مجمع البيان ٢: ٢٤١- ٢٤٢).