الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٨٢ - البحث في الديانة اليهودية والنصرانية
وعلى أيٍّ فليست المسيحية إلّاشريعة موسى عليه السلام بجميع أحكامها ومشروعاتها، ولا تجد في الإنجيل شيئاً من وظائف التكليف وطقوس التشريع، وإنّما معوّلها على ما في العهد القديم من ذلك، كذا يقولون[١].
ولنطوه على عواهنه ونلفّه على بلالته.
نعم، للمسيحية الفضل على تلك أنّها بعثت روحاً في هياكلها، ومعاني في ألفاظها وحياةً في قوالبها، فروّقت مشاربها ولطّفت مناهلها.
ولكنّها من قبيل ما يقال: زاد في الرقّة حتّى انقطع، وحلّق حتّى كاد أن يقع!
فأصبحت في هذه الجهة على الضدّ من تلك، فكأنّ إحداهما جسمانية محضة، والأُخرى روحانية خالصة.
وقد ضاع بينهما حدّ الوسط والاعتدال الذي هو خير الأُمور، بل هو الخير كلّه.
وسند دعوى: أنّ الثانية هي روحية أكثر منها جسمية، خطبةُ سيّدنا (المسيح) عليه السلام التي خطبها على الجبل، تلك الخطبة الذهبية التي تشعّ من طيّاتها الأنوار الإلهية ومدارك الحنان والرحمة، ولا يؤثر عن (المسيح) كلام يدانيها أو يساويها، ولعلّها هي أساس شهرته، بل تمام شريعته، فكأنّها هي الديانة المسيحية كلّها. ولكن أيّ تالٍ لها- ولو درجاً- لا يعرف أنّها غير معنيّة إلّابالأُمور الروحية والكون المعنوي والعالم الأُخروي، وليس فيها من شأن المحسوسات وتدبير
[١] - لاحظ الموسوعة الميسّرة في الأديان ٥٠٥.