الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٢ - الأمر الأول في بدء نشأة الإنسان وعجزه وجهله وحاجته
العقل والإدراك، أوّل صوته البكاء، وأقدم إحساسه التألّم، وكلّ ما عنده العوز والحاجة، رجلاه لا تحمله، ويداه لا تطاوعه، الحرّ يشويه، والبرد يرديه، وكلّ الكوائن تؤثّر فيه.
ثم يُدفع إلى تيّار هذا الكون اللجّي ليخوض أمواجه ويشقّ عبابه سائرٌ يريد أن يطوي مراحل ويقطع مجاهل على غير أُهبة السفر ولا تعبية الراحل.
نعم، وأكبر مصيبته الجهل، وأعظم بليّته ضعف العقل، وأوفر متاعه الآمال والشهوات.
أخذ يتدرّج ذلك السائح الضعيف السابح في غمرات هذا الكون، وكلّما نما وشبّ واشتدّ وترعرع أخذت وطأة تلك الخلال الثلاث التي هي أُمّهات شقائه وينابيع بلائه تخفّ عنه من ناحية وتشتدّ عليه من مناحي.
انفتحت له قبل كلّ شيء أبوابٌ خمس من الحواسّ الخمس، فولجت إلى نفسه منها إحساسات جمّة وإدراكات مهمّة ونعم كبيرة ولذّات كثيرة.
ولكن هل خفّفت من شقائه أم زادت في بليّته وعنائه، فأدخلت الهمّ إلى قلبه، والأحزان إلى فؤاده، والأوهام إلى خياله، والأغاليط إلى عقله، وأفقدته أنفس ما كان عنده من الراحة والبساطة والسذاجة والسلامة والهناءة والدعة.
ولم يزل هكذا يتراوح بين الربح والخسران، والزيادة والنقصان، والتعب والراحة، والغنى والحاجة.
فكلّما اتّسع ضاق نطاقه، وكلّما ترفّه اشتدّ خناقه، و (السلاسل قيود وإن كانت من ذهب).
ولست أنزع في مقامي هذا إلى فلسفة أطوار الإنسان وأدواره جنيناً وطفلًا ويافعاً وناشئاً وغلاماً وشابّاً وكهلًا وشيخاً، وما يعتريه من التقلّبات والأحوال