الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٦٨ - إذعان العرب بإعجاز القرآن
فقالت قريش: صبا- واللَّه- الوليد، واللَّه لتصبأنّ قريش كلّهم!
فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه.
فقعد إليه حزيناً، وكلّمه بما أحماه.
فقام فأتاهم، فقال: تزعمون أنّ محمّداً مجنون، فهل رأيتموه يخنق؟! وتقولون: إنّه كاهن، فهل رأيتموه يتكّهن؟! وتزعمون أنّه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعراً قط؟! وتزعمون أنّه كذّاب، فهل جرّبتم عليه شيئاً من الكذب؟! فقالوا في كلّ ذلك: اللَّهمّ لا.
ثمّ قالوا: فما هو؟ ففكّر، فقال: ما هو إلّاساحر! أما رأيتموه يفرّق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟! وما الذي يقوله إلّاسحرٌ يؤثره عن مسيلمة وعن أهل بابل!
فارتجّ النادي فرحاً، وتفرّقوا معجبين بقوله متعجّبين منه)[١] انتهى.
وما عجبي وتعجّب كلّ ذي فطانة ونصف إلّامن استقامته واعوجاجه واحتجاجه ولجاجه!
انظر كيف أبصر الحقّ، ثمّ تعامى! وكيف خاض في الجهل وعاما!
فقل له: أيّها الوليد الغرّ والعازب عن حصافة الفكر! لو كان ثمّة شيء من السحر تعلّمه (محمّد) صلى الله عليه و آله و سلم من أهل بابل، فلِمَ لا تعلّمه منهم غيره؟!
ولماذا لم ينكشف لسائر الناس سرّه ويظهر لهم- كما ظهر لك- أمره؟!
وأين كان هذا المجلس السرّي والمدرّس السحري الذي تردّد إليه (محمّدٌ) صلى الله عليه و آله و سلم وحده، وصار فيه نسيج وحده[٢]؟! وهو النور الذي لا تواريه
[١] - الكشّاف ٤: ٦٤٩.
[٢] - هذا مثل، يقال: فلان نسيج وحده، أي: لا نظير له. وأصله الثوب النفيس لا يُنسج على منواله غيره معه، بليُنسج وحده.( جمهرة الأمثال ٢: ٣٠٣).