الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٣١ - القرآن وثناء الأئمة المعصومين عليه
مضماره غير محجور بينه وبين غاياته، فإن شاء صاحبه أرسل عنانه فخرج جامحاً، وإن شاء قدع لجامه فوقف جانحاً، لا يحصره أمد دون أمد، ولا يقف به حدّ دون حدٍّ، فلا تكون الزيادات الواقعة فيه إلّاعيّاً واستراحةً وتغوّثاً وإلاحةً.
وهذه منزلة يترفّع عنها كلام اللَّه (سبحانه) الذي هو المتعذّر المعوز والممتنع المعجز، وكلّ كلام إنّما هو مصلٍّ خلف سبقه وقاصر عن أدنى بلوغ غاياته.
بل قد يرتفع عن بلوغ هذه المنزلة كلام الفصحاء المقدّمين والبلغاء المحذقين، فضلًا عمّا هو أعلى طبقات الكلام وأبعد عن مقدورات الأنام.
وإنّي لأقول أبداً: إنّه لو كان كلامٌ يلحق بغباره أو يجري في مضماره بعد كلام رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم لكان ذلك كلام أمير المؤمنين عليه السلام؛ إذ كان منفرداً بطريقة الفصاحة، لا تزاحمه عليها المناكب، ولا يلحق بعقوه[١] فيها الكادح الجاهد.
ومن أراد أن يعلم برهان ما أشرنا إليه من ذلك فلينعم النظر في كتابنا الذي ألّفناه ووسمناه: بنهج البلاغة، وجعلناه يشتمل على مختار جميع الواقع إلينا من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في جميع الأنحاء والأغراض والأجناس والأنواع من خطب وكتب ومواعظ وحكم، وبوّبناه أبواباً ثلاثة تشتمل على هذه الأقسام مميّزة مفصّلة.
وقد عظم الانتفاع به، وكثر الطالبون له؛ لعظيم قدر ما ضمنه من عجائب الفصاحة وبدائعها، وشرائف الكلم ونفائسها، وجواهر الفقر وفرائدها.
وكلامه عليه السلام- مع ما ذكرنا من علو طبقته وخلو طريقه وانفراد طريقته- فإنّه إذا حوّل ليلحق غاية من أدنى غايات القرآن وُجد ناكصاً متقاعساً ومُقهقراً راجعاً
[١] - بعقوه، أي: بساحته، أو: بأخذه في شُعب الكلام.( لسان العرب ٩: ٣٣٤).