الأسس المنهجية في تفسير النص القرآني - الحجار، عدي - الصفحة ٣٦٨ - المجمل والمبين
إذ يفهم من هذه الآية لزوم الحكم بالقرينة الواضحة الدالة على صدق أحد الخصمين، وكذب الآخر. لأنه تعالى ذكر هذه القصة في معرض تسليم الاستدلال بتلك القرينة على براءة يوسف عليه السلام , وهو يدل على أن الحكم بمثل ذلك حق وصواب. لأن كون القميص مشقوقاً من جهة دبره دليل واضح على أنه هارب عنها، وهي تنوشه من خلفه، ولكنه تعالى بين في موضع آخر أن محل العمل بالقرينة ما لم تعارضها قرينة أقوى منها، فإن عارضتها قرينة أقوى منها أبطلتها، وذلك في قوله تعالى:
(وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)[١٢٨٠].
لأن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف عليه السلام , في غيابة الجب، جعلوا على قميصه الدم المكذوب, ليكون وجود الدم على قميصه قرينة على صدقهم في دعواهم أنه أكله الذئب, ولا شك أن الدم قرينة على دعواهم افتراس الذئب ليوسف عليه السلام، ولكن يعقوب عليه السلام , أبطل قرينتهم هذه بقرينة أقوى منها، وهي أن القميص لم يكن مشقوقاً، فقال: سبحان الله متى كان الذئب حليماً كيساً يقتل يوسف ولا يشق قميصه. لذا صرح بتكذيبه لهم في قوله:
(بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)[١٢٨١].
حيث اندفعت قرينة الدم بقرينة أقوى وهي سلامة القميص من التمزيق[١٢٨٢].
[١٢٨٠] - سورة يوسف: ١٨.
[١٢٨١] - سورة يوسف: ١٨.
[١٢٨٢] -ينظر: الطبرسي- مجمع البيان: ٥/٣٧٥.