الأسس المنهجية في تفسير النص القرآني - الحجار، عدي - الصفحة ١١٢ - توطئة
فالقرآن الكريم لا يرقى إليه أي كلام في كلّ ما فيه فهو في أعلى مراتب الفصاحة والبيان وحسن النظم وجمال الأسلوب, وأثر وقع تراكيب أصواته, مع سمو مقاصده ورفعة معانيه, فهو كتاب هداية وتشريع وفي الوقت نفسه يجسد صورة فنية رائعة, بما انتظم فيه من العبر من قصص القرون الماضية وما وقع فيها, وعلم ما يأتي من الأمور الغيبية وغيرها من القضايا الإلهية والفضائل العلمية والعملية والأحكام الشرعية, والعقائد, والنظم المدنية التي تستقيم بها حياة الإنسان على نهج الرشاد لينعم في دنياه وأخراه «وهو وإن كان عربي النص إلا أنه عالمي الدلالة, وهو وإن كان إنساني المفاهيم إلا أنه عربي العبارة»[٢٣٦], فعالمية دلالة القرآن وحيويته وعدم تقيده بالزمان والمكان, دعا لتثوير القرآن وذلك ما أشار إليه الحديث الشريف: «من أراد العلم فليثور القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين»[٢٣٧], فالنص وإن كان واحداً إلا أنه يحتمل معاني متعددة, ولذا قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لابن عباس(ت٦٩هـ) لدى إرساله في محاججة الخوارج: «إن القرآن حمال ذو وجوه»[٢٣٨], وذو وجوه: أي ذو معانٍ عديدة[٢٣٩], وهذا لا شك يستدعي التدبّر وتوخي الدقة لدى العملية التفسيرية لمن له الأهلية لفهم الخطاب الإلهي, فالخوض في هذا المضمار والإبحار في هذه الوجوه من دون مركب ومعرفة لتسييره أو التقصير في تدبيره يوقع الإنسان في المهلكة, كما وقع لبعض المفسرين, وذلك أنهم, وكما روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (ت١٤٨هـ): «ضربوا بعض القرآن ببعض، واحتجوا بالمنسوخ، وهم
[٢٣٦] - محمد حسين علي الصغير- المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم: ١٥٩.
[٢٣٧] - الطبراني - المعجم الكبير:٩ / ١٣٦.
[٢٣٨] - ابن أبي الحديد - شرح نهج البلاغة:١٨ / ٧١.
[٢٣٩] - ابن الأثير - النهاية في غريب الحديث:١/ ٤٤٤.