الأسس المنهجية في تفسير النص القرآني - الحجار، عدي - الصفحة ٣٤٨ - المطلق والمقيد
بمعنى أنّ اللفظ نفسه ينصرف منه المقيد لكثرة استعماله فيه وشيوع إرادته منه، فلا شك في أنه حينئذ لا مجال للتمسك بالإطلاق، لأن هذا الظهور يجعل اللفظ بمنزلة المقيد بالتقييد اللفظي، ومعه لا ينعقد للكلام ظهور في الإطلاق حتى يتمسك بأصالة الإطلاق التي هي مرجعها في الحقيقة إلى أصالة الظهور[١١٥٨].
أما إذا كان الانصراف غير ناشئ من اللفظ بل كان من سبب خارجي، كغلبة وجود الفرد المنصرف إليه الذي يجعله مألوفاً قريباً إلى الذهن من دون أن يكون للفظ تأثير في هذا الانصراف، - كانصراف الذهن من لفظ "الماء" في العراق مثلاً إلى ماء دجلة أو الفرات - فلا أثر لهذا الانصراف في ظهور اللفظ في إطلاقه، فلا يمنع من التمسك بأصالة الإطلاق، لأن هذا الانصراف قد يجتمع مع القطع بعدم إرادة المقيد بخصوصه من اللفظ، لذا يسمى هذا الانصراف باسم "الانصراف البدوي"[١١٥٩], ويمثل له بقوله تعالى:
(وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)[١١٦٠].
فأن المنصرف بدواعي ظروف النزول بيع الجاهلية الذي يدخل فيه بيع الملامسة والمنابذة[١١٦١], وهما غير شرعيين, ولا يشمل أنواع البيوع المتاخرة مع تصحيحها شرعاً كبيع المعاطاة أو بيع الفضولي إذا أجازه المالك. والمقطوع به غير ذلك على وفق الأدلة الشرعية التي تكفلت بيان البيوع الشرعية, وهي قرائن معتبرة.
[١١٥٨] - ينظر: محمد رضا المظفر - أصول الفقه: ١ /٤٢-٤٤.
[١١٥٩] - ينظر: المصدر نفسه.
[١١٦٠] -سورة البقرة:٢٧٥.
[١١٦١] - بيع المنابذة: أن يشتري الثوب من دون تعيين ثم يأخذ الثوب الذي ينبذه إليه البائع, وبيع الملامسة: أن يشترط البائع: إن لمست السلعة فقد وجب البيع, وهما من بيوع الجاهلية التي أبطلها الإسلام.ينظر: محمد قلعجي- معجم لغة الفقهاء: ١١٤و٤٦١.