الأسس المنهجية في تفسير النص القرآني - الحجار، عدي - الصفحة ٢٦٧ - النثر
نضجاً وتنوعاً»[٨٥٦].
فقد اشتمل النثر على الإيفاء بالمطلوب وتغطيته مع سلاسة ألفاظه وسهولة تقبلها غالباً, فهو صناعة كلام بليغ وفصيح مشتمل على الانتقاء المعتبر عندهم في الكلمات وتخيّر العبارات وتوظيف ذلك في أصناف النثر من خطب ورسائل وحكم ومواعظ ودعاء وأمثال ووصايا, ثم المسرحيات والمقالات وغير ذلك من الأمور بانسجام وخلو من التعقيد بكلام ينساب كانسياب الماء، يكاد لسهولة تركيبه وعذوبة ألفاظه أن يسيل رقة, وكلما قوي الانسجام في النثر بين ألفاظه ومعانيه جاءت فقراته متلائمة متوازنة, حتى قيل أن النثر أرفع درجة من الشعر، وأعلى رتبة، وأشرف مقاماً، وأحسن نظاماً[٨٥٧]، مع ما هو معروف جلالة قدر الشعر ومكانته المرموقة, فقيل في المفاضلة بينهما بأن الشعر محصور في وزن وقافية يحتاج الشاعر معها إلى زيادة الألفاظ والتقديم فيها والتأخير، وغير ذلك مما تلجئ إليه ضرورة الشعر فتكون معانيه تابعة لألفاظه؛ والكلام المنثور لا يحتاج فيه إلى شيء من ذلك فتكون ألفاظه تابعة لمعانيه؛ ويؤيد ذلك أنك إذا اعتبرت ما نقل من معاني النثر إلى النظم وجدته قد انحطت رتبته. ألا ترى إلى قول أمير المؤمنين علي عليه السلام: "قيمة كل امرئ ما يحسنه"[٨٥٨] الذي قال فيها الجاحظ (ت٢٥٥هـ): «لا أعلم في كلام الناس كلمة أحكم من هذه الكلمة»[٨٥٩], وقال ابن عبد البر (ت٤٦٣هـ): (أن قول علي بن أبي طالب قيمة كل امرئ ما يحسن, لم يسبقه إليه أحد, وقالوا ليس كلمة أحض على طلب العلم منها... قال أبو عمر قول علي رحمه الله "قيمة كل امرئ ما يحسن" من الكلام العجيب الخطير
[٨٥٦] - المصدر نفسه.
[٨٥٧] - ينظر:القلقشندي-صبح الأعشى: ١ /٨٩وإحسان عباس- تاريخ النقد الأدبي عند العرب: ١/٣٩٩.
[٨٥٨] - ابن أبي الحديد - شرح نهج البلاغة:١٨ / ٢٣٠.
[٨٥٩] - نقله عنه الخطيب البغدادي - تاريخ بغداد: ٥ / ٢٣٨.