الأسس المنهجية في تفسير النص القرآني - الحجار، عدي - الصفحة ٢٦٥ - النثر
فقد نظر القدماء للنثر نظرة سطحية، حيث كانت نظرة جزئية انصرفت إلى الشكل من دون اللُب، وإلى الصورة من دون الحقيقة والمعنى، وهي التي حالت دون التبلور التام لمفهوم النثر الفني عند القدامى, مع ما له من الأهمية, قال الجاحظ(ت٢٥٥هـ): «وقد نُقلت كتب الهند، وتُرجمت حكم اليونانية، وحُولت آداب الفرس، فبعضها ازداد حسناً، وبعضها ما انتقص شيئاً, ولو حُوّلت حكمة العرب لم يجدوا في معانيها شيئاً لم تذكره العجم في كتبهم التي وضعت لمعاشهم وحكمهم، ولبطل ذلك المعجز، وقد نقلت هذه الكتب من أمة إلى أمة، ومن قرن إلى قرن، ومن لسان إلى لسان حتى انتهت إلينا، وكنا آخر من ورثها ونظر فيها، فقد صح أن الكتب - أي كتب النثر - أبلغ في تقييد المآثر من الشعر»[٨٥٠].
فمن أقوالهم التي يلتمس فيها التعريف: «النظم والنثر يشتركان في الكلام الذي هو جنس لهما، ثم ينفصل النظم عن النثر بفضل الوزن الذي به صار المنظوم منظوماً. ولما كان الوزن حلية زائدة وصورة فاضلة على النثر صار الشعر أفضل من النثر من جهة الوزن. فإن اعتبرت المعاني كانت المعاني مشتركة بين النظم والنثر. وليس من هذه الجهة تميز أحدهما من الآخر...»[٨٥١].
فيعد أبو حيان (ت٣٨٠هـ) أول من اهتدى إلى حقيقة النثر الفني وحلل مقوماته الجوهرية تحليلاً يتصف ــ على إيجازه ــ بالدقة والعمق، كذلك بيّن أهمية كل من عنصري العقل والموسيقى في النثر الفني، ومن رأي التوحيدي أن الشعر لا يختص وحده بالموسيقى والخيال، بل هما قدر مشترك بين الشعر والنثر الفني، والفرق بين النوعين من الكلام نسبي أما الجوهر فواحد, حيث يقول: «وأحسن الكلام ما رق لفظه ولطف معناه... وقامت
[٨٥٠] -الحيوان:١/٧٥.
[٨٥١] - أبو حيان التوحيدي- الهوامل والشوامل: ٢٧٥و ينظر: سوسن رجب- النثر العربي عند العرب القدامى:٥٣.