الأسس المنهجية في تفسير النص القرآني - الحجار، عدي - الصفحة ٣٢٠ - الناسخ والمنسوخ
ومما يتصور من وجوه الحكمة في نزول الآية ونسخها, أن النزول كان من باب التأديب أو الردع عن إيذاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم , وكذا الامتحان لبيان قوة الإيمان وضعفه ليعرف كل امرئ قدر نفسه, وبيان أهمية مواساة الفقراء.
ولا ريب في أن الإعراض عن المناجاة يفوت كثيراً من المنافع والمصالح العامة من معرفة الأحكام وغيرها مما يعرف من طريق الشارع. فمن وجوه الحكمة في رفع الحكم هو حفظ تلك المنافع فرفع الله عنهم وجوب الصدقة بين يدي المناجاة تقديماً لتلك المصلحة المهمّة، وأمرهم بالتأكيد على الالتزام بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإطاعة الله ورسوله, فهو باب للتقرب إلى الله ورسوله, وفيه تنبيه على أن التقرب إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم , ليس ضابطه مناجاة الرسول الصورية فقط والتي كشف الله النقاب عنها بآية النجوى, وإنما بالالتزام بأركان الدين ثم لتكن المناجاة عن حاجة حقيقية بنية خالصة, هو الذي يرقى بالإنسان إلى مدارج الكمال.
فلقد انتظمت آية النجوى «مجابهة للفضوليين, الذين كانوا يأخذون عليه راحته, ويزاحمونه وهو في رحاب بيته, بين أفراد عائلته وزوجاته, فينادونه باسمه المجرد, ويطلبون لقاءه دون موعد مسبق, بما عبر عنه القرآن بصراحه:
(إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)[١٠٤٦].
واستأثر البعض من هؤلاء وغيرهم بوقت القائد, فكانت الثرثرة والهذر, وكان التساؤل والتنطع, دون تقدير لملكية هذا الوقت, وعائدية هذه الشخصية, فحد القرآن من هذه الظاهرة, واعتبرها ضرباً من الفوضى, وعالجها بوجوب دفع ضريبة مالية, تسبق هذا التساؤل أو ذاك الخطاب, فكانت آية النجوى... وكان لهذه الآية وقع كبير, فامتنع الأكثرون عن النجوى, وتصدق من تصدق, فسأل ووعى وعلم, وانتظم المناخ
[١٠٤٦] - سورة الحجرات: ٤.