الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ١٩٠ - استحباب قراءة سور معينة في الجمعة وظهرها
( مسألة )
( وتجوز اقامة الجمعة في موضعين من البلد للحاجة ولا يجوز مع عدمها ) وجملة ذلك أن البلد إذا كان كبيرا يشق على أهله الاجتماع في مسجد واحد ويتعذر ذلك لتباعد أقطاره أو ضيق مسجده على أهله كبغداد ونحوها جازت اقامة الجمعة في أكثر من موضع على قدر ما يحتاجون إليه وهذا قول عطاء وأجازه أبو يوسف في بغداد دون غيرها ، قال لان الحدود تقام فيها في موضعين والجمعة حيث تقام الحدود ، ومقتضى قوله انه لو وجد بلد آخر تقام فيه الحدود في موضعين كان مثل بغداد لان الجمعة حيث تقام الحدود وهذا قول ابن المبارك .
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعيلا تجوز الجمعة في بلد واحد في أكثر من موضع واحد ، وروي أيضا عن أحمد مثل ذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجمع إلا في مسجد واحد وكذلك الخلفاء بعده ، ولو جاز لم يعطلوا الساجد حتى قال ابن عمر لا تقام الجمعة إلا في المسجد الاكبر الذي يصلي فيه الامام ولنا انها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة فجازت فيما يحتاج إليه من المواضع كصلاة العيد .
وقد ثبت أن عليا رضي الله عنه كان يخرج يوم العيد إلى المصلى ويستخلف على ضعفة الناس أبا مسعود البدري فيصلي بهم .
فأما ترك النبي صلى الله عليه وسلم اقامة جمعتين فلغناهم عن احداهما ولان الصحابة كانوا يؤثرون سماع خطبته وشهود جمعته وإن بعدت منازلهم لانه المبلغ عن الله تعالى وشارع الاحكام ولما دعت الحاجة إلى ذلك في الامصار صليت في أماكن ولم ينكر فصار اجماعا وقول ابن عمر معناه انها لا تترك في المساجد الكبار وتقام في الصغار ، وأما اعتبار ذلك باقامة الحدود فلا وجه له ، قال أبو داود سمعت أحمد يقول أي حد كان يقام بالمدينة قدمها مصعب بن عمير وهم يختبئون في دار فجمع بهم وهم أربعون
( فصل )
فأما مع عدم الحاجة فلا يجوز أكثر من واحدة ، وان حصل الغنى باثنتين لم تجز الثالثة ، وكذلك ما زاد لا نعلم في هذا مخالفا إلا أن عطاء قيل له إن أهل البصرة يسعهم المسجد الاكبر قال لكل قوم مسجد يجمعون فيه ويجزى ذلك من التجميع في المسجد الاكبر وما عليه الجمهور أولى إذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه انهم جمعوا أكثر من جمعة إذ لم تدع الحاجة إلى ذلك ، ولا يجوز اثبات الاحكام بالتحكم بغير دليل