الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ٧٠٤ - الاصناف الذين يأخذون الزكاة مع الغنى والذين لا يأخذون الا مع الحاجة
" مسألة " ( ومن كان ذا عيال أخذ ما يكفيهم لما ذكرنا ) " مسألة " ( ولا يعطي أحد منهم مع الغنى إلا أربعة : العامل والمؤلف والغارم لاصلاح ذات البين والغازي ) يجوز للعامل الاخذ مع الغنى بغير خلاف علمناه لانه يأخذ أجر عمله ولان الله تعالى جعل العامل صنفا غير الفقراء والمساكين فلا يشترط وجود معناهما فيه كما لا يشترط وجود معناه فيهما ، وكذلك المؤلف يعطى مع الغنى لظاهر الآية ولانه يأخذ لحاجتنا إليه أشبه العامل ولانهم انما أعطوا لاجل التأليف وذلك يوجد مع الغنى .
والغارم لاصلاح ذات البين والغازي يجوز الدفع إليهم مع الغنى وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر .
وقال أبو حنيفة وصاحباه لا يدفع إلا إلى الفقير لعموم قوله عليه السلام " أعلمهم ان عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم " فظاهر هذا انها كلها ترد في الفقراء .
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تحل الصدقة إلا لخمسة .
لغاز في سبيل الله أو لغارم " وذكر بقيتهم ، ولان الله تعالى جعل
الفقراء والمساكين صنفين وعد بعدهما ستة أصناف لم يشترط فيهم الفقر فيجوز
لهم الاخذ مع الغنى بظاهر الآية ولان هذا يأخذ لحاجتنا إليه أشبه العامل
والمؤلف ولان الغارم لاصلاح ذات البين انما يوثق بضمانه ويقبل إذا كان
مليئا ولا ملاءة مع الفقر ، فان أدى الغرم من ماله لم يكن له الاخذ من
الزكاة لانه لم يبق غارما ، وإن استدان وأداها جاز له الاخذ لبقاء الغرم
( فصل) وخمسة لا يأخذون إلا مع الحاجة وهم الفقراء والمساكين والمكاتب
والغارم لمصلحة نفسه في مباح وابن السبيل لانهم يأخذون لحاجتهم لا لحاجتنا
إليهم إلا أن ابن السبيل انما تعتبر حاجته في مكانه وان كان له مال في بلده
لانه الآن كالمعدوم ، وإذا كان الرجل غنيا وعليه دين لمصلحة لا يطيق قضاءه
جاز أن يدفع إليه ما يتم به قضاءه مع ما زاد عن حد الغنى ، فإذا قلنا
الغنى يحصل بخمسين درهما وله مائة وعليه مائة جاز أن يعطى خمسين ليتم قضاء
المائة من غير أن ينقص غناؤه .
قال أحمد لا يعطى من عنده خمسون درهما أو حسابها من الذهب إلا مدينا فيعطى دينه ، ومتى أمكنه قضاء الدين من غير نقص من الغنى لم يعط شيئا ، وان قلنا ان الغنى لا يحصل إلا بالكفايةوكان عليه دين إذا قضاه لم يبق له ما يكفيه أعطي ما يتم به قضاء دينه بحيث يبقى له قدر كفايته بعد قضاء الدين على ما ذكرنا ، وان قدر على قضائه مع بقاء الكفاية لم يدفع إليه شئ .
وقد روي عن أحمد انه قال إذا كان له مائتان وعليه مثلها لا يعطى من الزكاة لان الغنى خمسون درهما وهذا يدل على انه اعتبر في الدفع إلى الغارم كونه فقيرا ، وإذا أعطي للغرم وجب صرفه إلى قضاء الدين ، وان أعطي للفقر جاز أن يقضي به دينه