نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٩١ - للأديب الكاتب الحافظ المؤرخ أبي عبد الله محمد بن الحداد الوادي آشي نزيل تلمسان ، في ضياع بلاد الأندلس
إلى أبي جعفر بن أمية ، وهي مشتملة على التلهف على الجزيرة الأندلسية ، حين أخذ العدوّ بلنسية ، وظهرت له مخايل الاستيلاء على ما بقي من الأندلس ، فراجعها فيما سبق ، وإن كان التناسب التام في ذكرها هنا فالمناسبة هناك حاصلة أيضا ، والله سبحانه الموفق.
وذكرنا هنالك أيضا جملة غيرها من كلامه ـ رحمه الله تعالى! ـ تتعلق بهذا المعنى وغيره ، فلتراجع ثمّة.
ورأيت أن أثبت هنا ما رأيته بخط الأديب الكاتب الحافظ المؤرخ أبي عبد الله محمد بن الحداد الوادي آشي نزيل تلمسان رحمه الله تعالى ما صورته : حدثني الفقيه العدل سيدي حسن ابن القائد الزعيم الأفضل سيدي إبراهيم العراف أنه حضر مرة لإنزال الطّلسم المعروف بفروج الرواح من العلية بالقصبة القديمة من غرناطة بسبب البناء والإصلاح ، وأنه عاينه من سبعة معادن مكتوبا فيه : [البسيط]
| إيوان غرناطة الغرّاء معتبر | طلّسمه بولاة الحال دوّار | |
| وفارس روحه ريح تدبّره | من الجماد ، ولكن فيه أسرار | |
| فسوف يبقى قليلا ثمّ تطرقه | دهياء يخرب منها الملك والدّار [١] |
وقد صدق قائل هذه الأبيات ، فإنه طرقت الدهياء ذلك القطر الذي ليس له في الحسن مثال ، ونسل [٢] الخطب إليه من كل حدب وانثال [٣] ، وكل ذلك من اختلاف رؤسائه وكبرائه ، ومقدّميه وقضاته وأمرائه ووزرائه ، فكلّ يروم الرياسة لنفسه ، ويجر نارها لقرصه ، والنصارى ـ لعنهم الله تعالى! ـ يضربون بينهم بالخداع والمكر والكيد ، ويضربون عمرا منهم بزيد ، حتى تمكنوا من أخذ البلاد ، والاستيلاء على الطارف والتلاد [٤] ، قال الرائس القاضي العلامة الكاتب الوزير أبو يحيى بن عاصم رحمه الله تعالى في كتابه «جنة الرضا ، في التسليم لما قدر الله تعالى وقضى» ما صورة محل الحاجة منه : ومن استقرأ التواريخ المنصوصة ، وأخبار الملوك المقصوصة ، علم أن النصارى ـ دمرهم الله تعالى! ـ لم يدركوا في المسلمين ثارا ، ولم يرحضوا [٥] عن أنفسهم عارا ، ولم يخربوا من الجزيرة منازل وديارا ، ولم يستولوا عليها بلادا جامعة وأمصارا ، إلا بعد تمكينهم لأسباب الخلاف ، واجتهادهم في وقوع الافتراق بين
[١] الدهياء : الداهية الشديدة.
[٢] نسل الخطب إليه : سارع إليه.
[٣] انثال : تواتر وتوادر وكثر.
[٤] الطارف : المستحدث. والتلاد : القديم.
[٥] لم يرحضوا : لم يغسلوا العار عن أنفسهم. وفي ج «ولم يدحضوا».