دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٥ - حكم العمل بالبراءة قبل الفحص
و أما الجواب عن الإشكال الأول:- و هو الحكم بصحة العبادة مع عدم الأمر بها فتوضيحه يتوقف على مقدمة: و هي: أن الحكم بالصحة تارة: يكون لأجل الأمر، و أخرى: يكون لأجل وجود ملاك الأمر و هو المصلحة.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الصحة هنا ليست بلحاظ الأمر؛ بل بلحاظ ملاكه لوفاء المأتي به بالغرض الأكمل، و الحكم باستحقاق العقاب يكون لأجل أنه فوّت على المولى مقدارا من المصلحة لا يمكن تداركها.
و المتحصل: أن الصحة إنما هي لأجل كون المأتي به واجدا لعمدة مصلحة المأمور به التي يلزم استيفاؤها، و كيف كان؛ فلاشتمال المأتي به على هذا الملاك اللازم الاستيفاء يتصف بالصحة و الإجزاء عن المأمور به؛ بحيث لو لم تجب صلاة القصر كانت الصلاة تماما مأمورا بها؛ لكن لما كانت مصلحة صلاة القصر أهم صارت هي الواجبة فعلا لا الصلاة تماما، فصحة صلاة التمام مستندة إلى المصلحة لا الأمر الفعلي كي يقال: ليس هناك أمر فعليّ فكيف يحكم بالصحة؟
و أما الجواب عن الإشكال الثاني- و هو أنه كيف يصح الحكم باستحقاق العقوبة مع تمكن المكلف من الإعادة التي تكون وافية بتمام المصلحة- فإنه لا فائدة في الإعادة؛ إذ لا مصلحة تقتضي الإعادة، حيث إن المصلحة التامة الكامنة في صلاة القصر قد فاتت بسبب الإتيان بصلاة التمام لمكان الضدية بين المصلحتين، فمصلحة صلاة التمام فوتت مصلحة صلاة القصر، فلا مصلحة لها بعد الصلاة تماما، و لم يبق شيء منها قابلا للتدارك حتى تجب إعادتها لأجل تداركه.
هذا نظير ما إذا أمر المولى عبده بسقي البستان أو الزرع بماء النهر مثلا، فسقاه بماء البئر، فإن مصلحة السقي بماء النهر قد فاتت بسقيه بماء البئر و يمتنع تداركها، بل سقيه بماء النهر حينئذ مضر بالبستان أو الزرع و مفسد له، فمصلحة نفس السقي في الجملة و إن ترتبت على السقي بماء البئر؛ إلا إن كمال المصلحة- و هو النمو الزائد- لا يترتب عليه و لا يمكن تداركه بماء النهر.
فالمتحصل: أن الحكم باستحقاق العقاب إنما هو لأجل تفويت مقدار من المصلحة لا يمكن تداركها على المولى.
توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».