دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٣٦ - و أما النحو الثالث
و أما الوجه الأول من الوجوه الثلاثة التي استدل بها على العقد السلبي، فهو ما أشار إليه بقوله: «كما تشهد به ضرورة صحة انتزاع الملكية ...»، و هذا شروع في إثبات العقد السلبي بوجوه يستفاد منها صحة العقد الإيجابي أيضا.
و حاصل هذا الوجه الأول: أنه لو كانت الزوجية منتزعة عن التكليف للزم عدم صحة اعتبارها إلا بملاحظة ذلك التكليف؛ كجواز النظر إلى الزوجة و اللازم باطل بالضرورة، فالملزوم مثله؛ إذ لا شبهة في صحة اعتبار الزوجية من إنشاء مفهومها بقوله:
«زوجتك فلانة»، من دون ملاحظة جواز النظر و وجوب الإنفاق و غيرهما من الأحكام التكليفية؛ بل و مع عدم التفاته إليها كما هو واضح و أما الملازمة فواضحة؛ إذ المفروض:
أنه لا منشأ لاعتبار الزوجية إلّا التكليف فلا وجود لها بدونه.
و الوجه الثاني: ما أشار إليه بقوله: «و للزم أن لا يقع ما قصد و وقع ما لم يقصد» و حاصله: أنه- بناء على مجعولية الملكية مثلا بتبع التكليف- يلزم أن يكون المقصود غير واقع و الواقع غير مقصود؛ إذ المقصود من قوله: «بعتك داري» مثلا هو إنشاء مفهوم البيع أعني: التمليك دون التكاليف الثابتة للملك كجواز التصرف، و المفروض: أن التمليك لا يتحقق بمجرد الجعل و الإنشاء؛ بل يتبع الأحكام، فاللازم حينئذ أن يكون الواقع بقوله:
«بعت» هو التكليف و المفروض: عدم قصده؛ إذ المقصود هو إيجاد الملكية و المفروض عدم وقوعها، لكونها تابعة للتكليف، فيلزم تخلف قاعدة تبعية العقود للمقصود، فلا محيص عن الالتزام بكون الملكية و نحوها من الأمور المجعولة أصالة لا تبعا.
و أما الوجه الثالث: فهو ما أشار إليه بقوله: «كما لا ينبغي أن يشك في عدم صحة انتزاعها عن مجرد التكليف»، و يحتمل فيه إرادة أحد أمرين:
الأول: أنه لا يصح انتزاع الملكية مثلا من التكليف؛ إذ قد يكون التكليف موجودا و لا يصح انتزاع الملكية منه كإباحة التصرفات في الإباحات الأصلية، و قد لا يكون التكليف موجودا فعلا مع وجود الملكية قطعا كما في شراء الولي متاعا للمولّى عليه من الصغير أو المجنون أو السفيه، فإن المولّى عليه يملك، مع عدم جواز التصرف له فعلا لمحجوريته.
و كذا الزوجية، فإنها لا تنتزع عن جواز المباشرة و نحوه من أحكامها، ضرورة:
جوازها في الأمة المملوكة و المحللة مع عدم كونها زوجة، و بداهة: وجود الزوجية مع حرمة المباشرة كما في الصغيرة و الحائض.