دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٨٩ - الكلام في معنى الاستصحاب
نعم؛ اليقين و الشك من المجتهد يعتبران في جريان الاستصحاب بالنسبة إلى تكليف نفسه، لا بالنسبة إلى تكليف المقلد- إلى أن قال- و أما على القول بحجيته في الأحكام الكلية أيضا: فيكون الاستصحاب حينئذ ذا جهتين، فمن جهة كونه جهة في الأحكام الكلية يكون البحث عنه بحثا عن مسألة أصولية؛ لإمكان وقوع نتيجة البحث في طريق استنباط الأحكام الشرعية كما هو الملاك في كون المسألة أصولية، و حينئذ: يعتبر فيه اليقين السابق و الشك اللاحق من المجتهد كما في سائر القواعد الأصولية.
فبعد تحقق اليقين السابق و الشك اللاحق من المجتهد بالنسبة إلى حكم شرعي كلي كنجاسة الماء المتمم كرّا، و حرمة وطء الحائض بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال يستصحب هذا الحكم الكلي، و يفتي بنجاسة الماء و حرمة وطء الحائض، و يجب على المقلد اتباعه من باب رجوع الجاهل إلى العالم.
و من جهة كونه حجة في الأحكام الجزئية و الموضوعات الخارجية يكون البحث عنه بحثا عن مسألة فقهية، و لا مانع من اجتماع الجهتين فيه، فإنه يثبت كونه قاعدة أصولية و قاعدة فقهية بدليل واحد و هو قوله «(عليه السلام)»: «لا تنقض اليقين بالشك» [١]، فإن إطلاقه شامل لليقين و الشك المتعلقين بالأحكام الكلية و اليقين و الشك المتعلقين بالأحكام الجزئية أو الموضوعات الخارجية، فبدليل واحد يثبت كونه قاعدة أصولية و قاعدة فقهية، و لا مانع منه أصلا.
و أما الأمر الثالث- و هذا الفرق بين الاستصحاب و قاعدة اليقين- فحاصله: أن اليقين و الشك متضادان؛ بل باعتبار خصوصية فيهما متناقضان؛ لأن اليقين يعتبر فيه عدم احتمال الخلاف، و الشك يعتبر فيه احتمال الخلاف، و بين هاتين الخصوصيتين تناقض. فلا يمكن اجتماع اليقين و الشك في شيء واحد.
فلا بد حينئذ من الالتزام بأحد أمرين: إما الالتزام بوحدة زمان الوصفين و تعدد زمان متعلقهما، فيكون موردا للاستصحاب.
و إما الالتزام بوحدة زمان المتعلقين و تعدد زمان الوصفين، فيكون موردا لقاعدة اليقين.
و بعبارة أخرى: أن الشك إذا تعلق ببقاء ما تيقن به فهو الاستصحاب، و إذا تعلق بأصل حدوث ما تيقن به فهو قاعدة اليقين.
[١] علل الشرائع ٢: ٣٦١/ ب. ٨، جزء من ح ١، تهذيب الأحكام ١: ٤٢١/ جزء من ح ١٣٣٥، الوسائل ٣: ٤٦٦/ جزء من ح ٤١٩٢.