دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٣٦ - التنبيه السادس في استصحاب عدم النسخ
الذي هو مورد الاستصحاب مفقود في أحكام الشرائع السابقة؛ للقطع بارتفاعها بعد ورود هذه الشريعة حيث إنها ناسخة لتلك الشرائع، و مع القطع بارتفاعها يختل ما هو قوام الاستصحاب أعني: الشك في البقاء.
و بالجملة: فلا مقتضي لاستصحاب عدم نسخ أحكام تلك الشرائع، إما لعدم اليقين بالحدوث بناء على تعدد الموضوع، و إما لعدم الشك في البقاء بناء على النسخ.
فالمتحصل: أن كلا ركني الاستصحاب من اليقين و الشك مفقود، و قد أشار إلى انتفاء الركن الأول بقوله: «إما لعدم اليقين بثبوتها في حقهم» و إلى انتفاء الركن الثاني بقوله: «فلا شك في بقائها أيضا»، يعني: كاليقين بثبوتها. و قد أشار إلى جواب التوهم و فساده بقوله «و ذلك ...» الخ.
و محصل ما أجاب به عن هذا التوهم هو: أن اختلال اليقين مبني على تشريعها لأهل تلك الشريعة بنحو القضية الخارجية كقوله: «أكرم هؤلاء العشرة» حيث إن الموضوع حينئذ أشخاص معينون، فتختص تلك الأحكام بالأفراد الموجودة حال تشريعها، و لا تسري إلى غيرهم؛ لأنه حينئذ من تسرية حكم موضوع إلى موضوع آخر، و هو أجنبي عن الاستصحاب المتقوم بوحدة الموضوع، فالإشكال على الاستصحاب من ناحية اختلال اليقين في محله.
و أما إذا كان تشريعها بنحو القضية الحقيقية بحيث لوحظ في مقام الجعل كلي المكلف الصادق على جميع أفراده المحققة و المقدرة كقوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [١] فلا تختص أحكام شريعة بأهلها؛ بل تعم غيرهم أيضا، فإذا شك غير أهلها في نسخ حكم من تلك الأحكام جرى فيه الاستصحاب؛ لكونه من أفراد طبيعي المكلف الذين شملتهم الخطابات الصادرة في تلك الشرائع، فاليقين بثبوتها لأهل هذه الشريعة حاصل، فلا يختل الركن الأول و هو اليقين بالثبوت، فلا مانع من هذه الجهة من جريان استصحاب عدم نسخ حكم من أحكام الشرائع السابقة. و قد أشار الشيخ إلى هذا الجواب الذي جعله جوابا ثانيا بقوله: «و حله: أن المستصحب هو الحكم الكلي الثابت للجماعة على وجه لا مدخل لأشخاصهم فيه، فإن الشريعة اللاحقة لا تحدث عند انقراض أهل الشريعة الأولى؛ إذ لو فرض وجود اللاحقين في السابق عمهم الحكم، و مثل هذا لو أثر في الاستصحاب لقدح في أكثر
[١] آل عمران: ٩٧.