دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٢٠ - الوجه الاول استقرار بناء العقلاء
تعبدا (١)؛ بل إما رجاء و احتياطا، أو اطمئنانا بالبقاء أو ظنا به و لو نوعا (٢) ...
منهم لم يرسل الأموال الخطيرة إليه قطعا؛ لزوال اطمئنانه- بل ظنه- بالبقاء و قد يكون منشؤه الغفلة عن شكه الفعلي في بقاء ما كان؛ كما إذا غيّر مسكنه و غفل عنه، فإنه قد يسلك الطريق إلى داره الأولى. و هذا في الحيوانات أظهر لأجل عادتها الحاصلة من تكرار الفعل السابق، و مع تبدل عادتها لا ترجع إلى محلها الأول إلّا لأجل الغفلة.
و عليه: فليس من ارتكازيات العقلاء العمل تعبدا بالمتيقن السابق في ظرف الشك في بقائه كي يتجه الاستدلال به على اعتبار الاستصحاب.
الثاني: ما يرجع إلى منع المقدمة الثانية، أعني: تحقق شرط الاعتبار، و حاصله: أن حجية هذا البناء العقلائي- كسائر موارده كبنائهم على العمل بخبر الثقة- منوطة بالإمضاء و لو بعدم الردع، لكنه ممنوع؛ إذ لا دليل على الإمضاء، بل دل على الردع عنه طائفتان من الأدلة:
الأولى: ما دل بالعموم على ردعه، و عدم اعتباره كالآيات و الروايات الناهية عن العمل بغير العلم، كقوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [١] و هي شاملة للمقام؛ إذ المفروض: زوال اليقين ببقاء الحالة السابقة، و غاية ما يمكن دعواه: وجود الظن باستمرارها، و من المعلوم: أن كل ما ليس بعلم موضوع للنهي عن اتباعه.
الثانية: ما دل من الكتاب و السنة على كون المرجع في الشبهات أصالة البراءة كما هو مذهب الأصوليين، أو أصالة الاحتياط كما هو مذهب الأخباريين، فإن إطلاق أدلة البراءة يشمل ما إذا كان الشك في ثبوت التكليف مسبوقا بالعلم به و غير مسبوق بالعلم به، فمثل: «رفع ما لا يعلمون» ينفي ظاهرا وجوب صلاة الجمعة المعلوم وجوبها حال حضور الإمام المعصوم «(عليه السلام)» و بسط يده، و المشكوك بقاؤه حال الغيبة لاحتمال كون حضوره «(عليه السلام)» مقوّما لوجوبها.
و كذا أدلة الاحتياط الآمرة بالوقوف عند الشبهة، فإنها بإطلاقها تقتضي الأخذ بالحائطة للدين، سواء كان الشك مسبوقا بالعلم بالتكليف أم لم يكن.
و قد تحصل: أن بناء العقلاء على الأخذ باليقين السابق- على تقدير تحققه- يكون مردوعا عنه، فلا عبرة به لإثبات حجية الاستصحاب.
(١) لما عرفت من: عدم ابتناء عمل العقلاء على التعبد.
(٢) أي: الظن بالبقاء الحاصل للنوع و إن لم يحصل لهذا الشخص بالخصوص،
[١] الإسراء: ٣٦.