دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٥٢ - ثانيهما ان لا يكون موجبا للضرر على آخر
لم يكن مجال فيه (١) لأصالة البراءة، كما هو (٢) حالها مع سائر القواعد الثابتة بالأدلة الاجتهادية؛ إلا إنه (٣) حقيقة لا يبقى لها مورد، ...
و البراءة أصلا عمليا، و قد ثبت في محله عدم المجال للأصل مع الدليل، لوروده أو حكومته على الأصل كما سيأتي توضيحه إن شاء الله تعالى.
و إن كان مما لا تجري فيه قاعدة الضرر، فلا مانع من جريان البراءة فيه و مجرد احتمال صغرويته لقاعدة الضرر لا يمنع عن جريان البراءة فيه مع فرض الفحص و عدم الظفر بدليل على حكم الضرر.
و بالجملة: فمع الظفر بالدليل الاجتهادي مطلقا من دليل الضرر و غيره من الأدلة الاجتهادية لا مجال للبراءة؛ لعدم المقتضي لها، حيث إن الدليل رافع لموضوعها، فعدم جريانها مع الدليل إنما هو لعدم المقتضى، لا لعدم شرطه، ضرورة: أن الشرط متأخر رتبة عن المقتضى، فلا يطلق الشرط إلا مع إحراز المقتضي، و مع عدم المقتضي لا يطلق الشرط كالمقام.
فإن كان مراد الفاضل التوني من الاشتراط: أن جريان البراءة مشروط بعدم ترتب الضرر عليها، ففيه أولا: أن إطلاق الشرط عليه لا يخلو من المسامحة؛ لما مر آنفا من: أن عدم الجريان حينئذ مستند إلى عدم المقتضى، لا إلى عدم الشرط.
و ثانيا: أنه لا اختصاص للضرر؛ بل جريان البراءة منوط بعدم الدليل الاجتهادي مطلقا من دليل الضرر و غيره، كما أن عدم الجريان لا يختص بالبراءة، بل كل أصل عملي يتوقف جريانه على عدم دليل اجتهادي في مورده.
(١) أي: في المقام الذي تجري فيه قاعدة الضرر.
(٢) يعني: كما أن عدم المجال لجريان البراءة مع قاعدة نفي الضرر حال البراءة مع سائر القواعد الثابتة بالأدلة الاجتهادية، و ضمير «حالها» راجع على أصالة البراءة.
(٣) الضمير للشأن، و حاصله: أن أصالة البراءة و إن لم يكن لها مجال في موارد الضرر، إلا إن عدم جريانها فيها ليس لأجل شرطية عدم قاعدة الضرر لجريان البراءة؛ بل لعدم المقتضي لجريانها معها؛ لما مر من أن دليل قاعدة الضرر كسائر الأدلة الاجتهادية يرفع الشك الذي هو موضوع أصل البراءة و غيره من الأصول العملية، فالدليل الاجتهادي رافع لموضوع الأصل و لو ظاهرا كما هو مقتضى الأدلة غير العلمية، فمع الدليل لا مقتضي لأصالة البراءة؛ لا أن عدم الدليل شرط لجريان البراءة.