حاشية فرائد الأصول - الهمداني، آقا رضا - الصفحة ٤٤ - في التّجري
الخيالي لمفسدته الذاتية، حتّى يحسن الفعل فيتبعه الأمر الشرعي، و كذا لو اعتقد أنّ الشيء الفلاني نافع له و يجب شربه، مع كونه في الواقع سمّا قاتلا له، لا يجوز من الشارع أمره بشربه.
نعم، هو بنفسه معذور في ارتكاب ما اعتقد بحكم العقل، و امّا صحّة الخطاب الشرعي فهي دائرة مدار مصلحة ذات الشيء، و لو بعد طروّ العنوان، فهذا العنوان مثل سائر العناوين الطارئة- كإطاعة الوالد و نحوها- إنّما يؤثر في الموارد الخالية عن المصلحة الملزمة لا غير، إن قلنا بأنّ الجهة الطارئة الخيالية لا تكافئ المصلحة الذاتية الملزمة، بحيث تغلب عليها، حتّى يظهر أثر العنوان الطارئ.
و إن قلنا بصلاحيتها للغلبة على بعض الذاتيات أيضا، فيتبع الحكم الشرعي موارد الغلبة و لا يتعداها، و هذا ظاهر.
و لكنّك خبير بأنّ ما ذكره من التفصيل، وفاقا للمفصّل المذكور، لا يتوجّه به كلامه بظاهره، حيث أنّه (قدّس سرّه) جعل قبح نفس التجرّي بالوجوه و الاعتبار، و هذا غير معقول، لأنّه من جهات الفعل التي بسببها يعرضه القبح، فلا يعقل أن تكون نفس الجهة أيضا قبحها عرضيا تابعا للموارد، لأنّ ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذّات، فيتوجّه عليه حينئذ ما ذكره المصنّف (قدّس سرّه) من الاعتراضات.
إلّا أنّ الإنصاف غلبة الظنّ بإرادته من التجرّي في كلامه الفعل المتجرّى به لا نفس التجرّي فيندفع عنه الاعتراضات المذكورة، لكن المبنى فاسد كما عرفت.
هذا، مع أنّ ما ذكرناه وجها للتفصيل لا يخلو في حدّ ذاته من نظر، لأنّ الحكم الفعلي يتبع الجهة التي يتنجّز بالنسبة إليه الخطاب، و كون الفعل متضمّنا لمفسدة قاهرة غير مانع عن ذلك، عند كون المكلّف معذورا من جهتها، كما يأتي التنبيه على ذلك عند التكلّم في صحّة صلاة الجاهل بالغصب و ناسيه في حواشي أصل البراءة، فليتأمّل.