حاشية فرائد الأصول - الهمداني، آقا رضا - الصفحة ٢٠٦ - في أصل البراءة
و امّا إذا كان الشّك ناشئا من اشتباه الامور الخارجية، بأن تردّد الثوب الخاصّ مثلا بين كونه ثوبه الذي بالفعل مورد حاجته، و بين ثوب شخص آخر أجنبيّ عنه فلا، بل يرجع إلى الاصول العملية الجارية في المقام.
و لا يخفى عليك أنّ سوق عبارة المصنّف (رحمه اللّه) يشعر بأنّه جعل المقام من قبيل التقييد بالمجمل، كما يؤيّد ذلك تنظيره بسائر المفاهيم العرفيّة التي يتعذّر ضبط مفهومها، فعلى هذا يتّجه التفصيل بين الشبهات المفهومية و المصداقية، و لكن ما نحن فيه ليس كذلك، إذ الحاكم بخروج غير المبتلى عن تحت أدلّة التكاليف هو العقل و العرف، الذين لا يدور حكمهما مدار صدق مفهوم مجمل، بل يتعلّق حكمهما بنفس المصاديق من حيث هي كما تبيّن في محلّه، فيكون المتّجه حينئذ الرجوع إلى اصالة الإطلاق في جميع موارد الشّك، من غير فرق بين الشبهات المفهومية و المصداقية.
هذا كلّه على تقدير تسليم كون إطلاقات ما دلّ على الاجتناب عن المحرّمات بحكم العقل و العرف مقيّدة بصورة الابتلاء، و هو محلّ نظر، بل منع كما تقدّمت الإشارة إليه آنفا، إذ ليس المقصود بتحريم شيء على المكلّف إلّا منعه عن ارتكابه، بحيث لو أراد أن يرتكبه لم يجز له ذلك، فمعنى قول الشارع «حرّم عليكم الميتة و الخمر و لحم الخنزير»، أنّه لزم عليكم الاجتناب عن هذه الامور، فليس للمكلّف أن يبلى نفسه بشرب الخمر مثلا، بحيث لو علم أنّه لو جعله من موارد ابتلائه، يضطرّ إلى شربه بإكراه و نحوه، وجب عليه أن لا يجعله كذلك، لأنّ حرمته عليه مشروطة بكونه في مورد ابتلائه كي يلزمه جواز جعله من مورد الابتلاء في الفرض المزبور، ضرورة أنّه لو كان الابتلاء شرطا في التحريم امتنع أن يكون التحريم سببا لحرمة نفس الابتلاء.
و امّا ما تراه من استهجان توجيه التكليف بالاجتناب عنه إلى غير المبتلى، فهو ليس إلّا كقبح توجيه الأمر بفعل شيء- مثل الإنفاق على أولاده و زوجته- إلى