حاشية فرائد الأصول - الهمداني، آقا رضا - الصفحة ٢٨٦ - في أصل البراءة
و الذي يحسم مادّة الإشكال أنّه بعد البناء على حجّية كثير من الأخبار المدوّنة في الكتب المعتبرة، لا يبقى للعلم الإجمالي بوجود واجبات و محرّمات كثيرة في الوقائع المشتبهة أثر بالنسبة إلى الوقائع التي لا يمكن استفادة حكمها من تلك الأخبار، و لا لدعوى أنّ أطراف العلم الإجمالي مخصوصة بتلك الوقائع، كي يقال إنّ هذه الدعوى مجازفة، بل للعلم بحجّية كثير من تلك الأخبار و دلالتها على واجبات و محرّمات كثيرة يحتمل انحصار التكاليف الواقعيّة المعلومة بالإجمال فيها، و حينئذ لا يبقى لذلك العلم الإجمالي أثر بالنسبة إلى ما لا يمكن استفادة حكمه من تلك الأخبار، كما تقدّم توضيح ذلك في مبحث حجّية الظنّ، ففائدة الفحص معرفة خروج الواقعة التي شكّ في حكمها عن الوقائع التي تدلّ تلك الأدلّة على وجوبها أو حرمتها.
هذا، مع أنّ دعوى اختصاص أطراف العلم الإجمالي بالوقائع المتمكّن من الوصول إلى مدركها غير بعيدة، فانّ العلم الإجمالي الحاصل لكلّ أحد بوجود تكاليف كثيرة قبل مراجعة الأدلّة، منشؤه العلم بصدور أخبار كثيرة من النبيّ و الأئمّة (عليهم السلام) دالّة عليها، و كون الأخبار الصادرة منهم ممّا دلّ على ثبوت حكم زائدا عمّا وصل إليهم في الكتب المعتبرة غير معلوم.
و إن شئت قلت: إنّ العلم الإجمالي نشأ من العلم بمشاركتنا مع من سبقنا في التكليف، و هكذا إلى أن بلغ مع من عاصر الأئمّة (عليهم السلام)، و وصل إليهم التكاليف شيئا فشيئا، و لم يكن لهم علم إجمالي بثبوت تكاليف زائدة على ما علموا به تفصيلا، فنحن بعد العلم بمشاركتنا معهم في التكليف، لا يجوز لنا الأخذ بالبراءة إلّا بعد الفحص عن تكليفهم، و القدر المتيقّن من تكليفهم ليس إلّا التكليف بما أخبروا به و دوّنه العلماء في اصولهم المعتبرة، فلا يجوز العمل بالبراءة قبل مراجعة تلك الاصول، و امّا بعد المراجعة فلا مانع عنه.