من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٥ - بل الذين كفروا في عزة وشقاق
يُذكَّره بمعاناة الأنبياء مع الأقوام السابقة، وأن هؤلاء سوف يهزمون كما حدث لأولئك. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ فتكذيبهم ليس جديدا، ثم يذكر بمجرد الإشارة، مجموعة من الأقوام قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ و إنما سُمَّي فرعون بذي الأوتاد لأنه كان إذا غضب على أحد وتد رجليه ويديه ورأسه على الأرض أو في خشبتين متقاطعتين على شكل الصليب، أو في جذوع النخل، وقيل أن سبب التسمية كثرة جنوده وجيوشه السائرة فكانوا إذا نصبوا الخيام في معسكراتهم، وأثناء استراحتهم في الطريق صارت كثيرة جدا وهكذا أوتادها [١].
[١٣] كل تلك الأقوام كذبوا رسلهم، وأيضا وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وهم قوم شعيب عليه السلام. أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ فأين ذهب أولئك سوف يذهب هؤلاء أيضا.
[١٤] فهم أحزاب يختلفون مع بعضهم في طبيعة الحياة، والمكان والقوة والضعف ولكنهم يجمعهم أمران هما: التكذيب بالحق والرسل، والعقاب الإلهي الذي لحق بهم بسببه. إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ وقد تكون هذه الآيات تمثيلًا للحقيقة التي طرحتها الآية (٣) عن هلاك القرون السابقة.
[١٥] والدمار الذي لحق بتلك الأقوام لم يكن أمرا طارئا، إنما ينسجم مع الحق الحاكم في الحياة، والمتمثل في إرادة الله والسنن التي وضعها في الكون. والحق هو الحق، والحياة هي هي بأساسياتها، فلن يشذ عن هذه النتيجة كل من يمشي في ركاب المكذبين وخطهم في أي زمان ومكان. وَمَا يَنظُرُ هَؤُلاءِ سواء كفار قريش أو سائر طواغيت التاريخ الذين يتحكمون في مصائر الشعوب، ويحاربون الله والإسلام ما ينتظر هؤلاء جميعا؛ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ وليس بالضرورة أن تكون الصيحة من جبرائيل أو أحد الملائكة الغلاظ عليهم السلام، بل قد تكون الصيحة رصاصة يطلقها المجاهدون على المستكبرين، وقد تكون ثورة شعبية جذرية تأكل الأخضر واليابس من كيانهم. وفواق بمعنى الرجوع، ومنه فواق الناقة إذا رجع لبنها إلى الضرع بين الحلبتين، وإفاقة المريض من المرض إذا رجع إلى صحته، وهؤلاء حينما ينزل بهم العذاب لا تقبل رجعتهم للحق. وهذه الكلمة نجد تفسيرها في قوله تعالى في الآية الثالثة وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ [ص: ٣].
إذن فاعتماد الإنسان على قوة المال والجند واعتزازه بهما في مقابل الحق أمر خطير يجرُّه إلى الهلاك، بشذوذه عن الحق في الحياة.
[١] مجمع البيان: ج ٧ ص ٦٠٢.