من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٨ - ولا يرضى لعباده الكفر
[٩] وفي مقابل هؤلاء الذين يجعلون لله أندادا هنالك طائفة أخرى هم المخلصون، يقول الله عنهم أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قانت لربه في ديجور الليل، صافا قدميه، ساجدا قائما، خائفا راجيا. ويبدو أن الخوف والرجاء قد تساويا في قلبه، فهو يخشى النار وأهوالها، ويرجو رحمة ربه في الجنة. إن هؤلاء دأبهم الإرتياح إلى الله والحنين في الحالات العادية، فكيف إذا مسهم الضر. وهكذا صوَّر السياق نمطين من البشر: من يكفر بعد إنقاذه من الهلكة ووعوده بالتوبة، ومن هو قانت آناء الليل وأطراف النهار، ليكون الفرق واضحا بينهما، وإنه لا يجوز أن نجعل هذا كذاك في الجزاء، و هذا هو الموضوع الأساس في هذه السورة التي أوضحت اختلاف مسيرة الزمر الصالحة والزمر التي تساق الى النار قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أن الله حق، وأن الجزاء حق، وأن الرسول صادق. وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ كلا .. لا يستويان مثلا. فلا يجوز الاتكال على شفاعة الأنداد. ولا الاتكاء على التمنيات والظنون. انَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب فبالرغم من وضوح الفرق بين العالم والجاهل، فإن أكثر الناس لا يهتدون إلى ذلك لأنهم أصحاب القشور والظواهر وأتباع الضجيج، وليسوا أصحاب العقول المتعمقين في جوهر الأمور وألبابها.
وفي الرواية: (سَمِعَ رَجُلٌ مِنَ التَّابِعِينَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قَالَ الرَّجُلُ فَأَتَيْتُ عَلِيّاً لِأَنْظُرَ إِلَى عِبَادَتِهِ فَأَشْهَدُ بِالله لَقَدْ أَتَيْتُهُ وَقْتَ المَغْرِبِ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ المَغْرِبَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا جَلَسَ فِي التَّعْقِيبِ إِلَى أَنْ قَامَ إِلَى عِشَاءِ الآخِرَةِ ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَدَخَلْتُ مَعَهُ فَوَجَدْتُهُ طُولَ اللَّيْلِ يُصَلِّي وَيَقْرَأُ القُرْآنَ إِلَى أَنْ طَلَعَ الفَجْرُ، ثُمَّ جَدَّدَ وُضُوءَهُ وَخَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ وَصَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةَ الفَجْرِ ثُمَّ جَلَسَ فِي التَّعْقِيبِ إِلَى أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَصَدَهُ النَّاسُ فَجَعَلَ يَخْتَصِمُ إِلَيْهِ رَجُلَانِ فَإِذَا فَرَغَا قَامَا وَاخْتَصَمَ آخَرَانِ إِلَى أَنْ قَامَ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ. قَالَ: فَجَدَّدَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ وُضُوءاً ثُمَّ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الظُّهْرَ ثُمَّ قَعَدَ فِي التَّعْقِيبِ إِلَى أَنْ صَلَّى بِهِمُ العَصْرَ ثُمَّ أَتَاهُ النَّاسُ فَجَعَلَ يَقُومُ رَجُلَانِ وَيَقْعُدُ آخَرَانِ يَقْضِي بَيْنَهُمْ وَ يُفْتِيهِمْ إِلَى أَنْ غَابَتِ الشَّمْسُ) [١].
[١٠] وبعد أن ينجز السياق إقرار الإنسان بأنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، يشرح صفات وجزاء الذين يعلمون ويصوغون شخصيتهم بما يعلمون وذلك بالإيمان والتقوى والإحسان والهجرة (عند الضرورة) والصبر.
[١] بحار الأنوار: ج ٤١، ص ١٣.