من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٠ - سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
فهو محاسب عن ذلك. إن الله القدير الحكيم لم يخلق الدنيا الا ليعلم من يصمد أمام امتحاناتها ومن ينهار .. إذا فالابتلاءات ضرورية إلى حد ما لفلسفة هذا الكون ذلك لأن للابتلاء غايات عديدة وأسباب مختلفة. ومن مبدأ الحرية وسنة الابتلاء فالحياة الدنيا دار بلاء وامتحان وقد ترك الله الناس يختارون ما يشاؤون حتى يختاروا طريقهم بأنفسهم ويحصلوا على الجزاء المناسب. وأجرى الرب تعالى سننا في الخلق ربطت تداعيات الحوادث بين أسباب ونتائج، وأوشجت عرى العلائق بين البشر حيث يكون لأفعالهم تأثير بالغ على بعضهم البعض، والأمر ذاته بين البشر وعالم الطبيعة؛ فالسماء تدر خيرها أو تحبسه بتقدير العزيز الحكيم ومن سنن التقدير أفعال العباد.
فنلاحظ هنا أن المرء مسئول عن إصلاح نفسه ومحيطه الاجتماعي. إلا أن المحاسبة الأخروية على السعي الفردي في الإصلاح، بيد أن نتائج سعيه إيجابا أو سلبا يغنمها أو يصطلمها في حياته الدنيوية، فهو لم يطالب بالسعي لتغيير الواقع إلا لكون الواقع هو صنيعة الأفعال البشرية في إطار السنن الربانية. ومن جهة أخرى أن المحاسبة الأخروية تعتمد تفاعل (السعي، الواقع) من حيث إمكانيات السعي وفرص النجاح. فلو لم يربط ربنا سبحانه بين عمل الإنسان وبين واقعه، وبين سعيه وبين جزائه لكان ظلاما- تعالى علوا كبيرا-. فليس من الظلم أن يصبح شخص رئيسا تهدى إليه خيرات الأرض و بركاتها، ويصبح ويمسي شخص آخر وهو لا يجد ما يقتاته؟! بلى، إنه ظلم، وظلم كبير لو لم نلحظ الحكمة الإلهية والسنن التي تربط بين أفعال البشر وواقعهم ومصيرهم.
وحيث نعرف أن الله الذي خلق السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن بالحكمة البالغة، و التقدير العادل الموزون، ووضع كل شيء موضعه المناسب، ليس بظلام، نعرف يقينا أن درجات الإنسان في الدنيا والآخرة مقدرة حسب حكمة بالغة، ترتبط باختياره وسعيه، و إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد: ١١]، و إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس: ٤٤].
فربُّنا لم يسلط هتلر على الشعب الألماني أبدا، ولكنهم هم الذين سوَّدوه على أنفسهم، بجهالتهم و بتركهم مسؤولياتهم، وهكذا بالنسبة لسائر الشعوب.
[٤٧] وهناك تساؤل آخر تجيب عنه الآية الآتية، هو: إننا في كثير من الأوقات لا نكتشف الأسباب في حدوث الأشياء، فنقول مثلا: من الذي جعل الطغاة يحكمون البلاد؟، وتلك الأمراض والأوبئة، وتلك الحوادث التي تكتنف حياة البشر .. كيف تحدث ولِم؟. وإذا كنا- معشر البشر- لا نعلم ذلك فكيف يكون الانسان مسئولا عما يُحيط به!.