من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٨ - ومن يضلل الله فماله من هاد
من هنا ينبغي لأولئك الذين يتوبون لله من أعوان الظلمة، أن يدركوا أهمية كتمانهم، فلا يظهرون قرارهم بالتوبة، وإنما يبعثون بشخص موثوق أو برسالة، أو يلتقون هم بأنفسهم القيادة الدينية الواعية، و يستطلعون رأيها، ويعرفون مسؤوليتهم والدور المناسب الذي يجب أن يمارسوه، كما فعل نعيم بن مسعود الأشجعي الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه واله فقال: (يا رسول الله إني قد أسلمت ولم يعلم بي أحد من قومي فمرني بأمرك، فقال له رسول الله صلى الله عليه واله
[إِنَّمَا أَنْتَ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ فَخْذِلْ عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ
(يعني ثبِّط الأعداء وجبنهم)
فَإِنَّمَا الحَرْبُ خُدْعَةٌ]
. فانطلق نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة فقال لهم: إني لكم صديق والله ما أنتم وقريش وغطفان من محمد بمنزلة واحدة إن البلد بلدكم وبه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم وإنما قريش وغطفان بلادهم غيرها وإنما جاءوا حتى نزلوا معكم فإن رأوا فرصة انتهزوها وإن رأوا غير ذلك رجعوا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ولا طاقة لكم به فلا تقاتلوا حتى تأخذوا رهنا من أشرافهم تستوثقون به أن لا يبرحوا حتى يناجزوا محمدا. فقالوا له: قد أشرت برأي.
ثم ذهب فأتى أبا سفيان وأشراف قريش، فقال: يا معشر قريش إنكم قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمدا ودينه وإني قد جئتكم بنصيحة فاكتموا علي. فقالوا: نفعل ما أنت عندنا بمتهم. فقال: تعلمون أن بني قريظة قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد فبعثوا إليه أنه لا يرضيك عنا إلا أن نأخذ من القوم رهنا من أشرافهم وندفعهم إليك فتضرب أعناقهم ثم نكون معك عليهم حتى نخرجهم من بلادك. فقال: بلى، فإن بعثوا إليكم يسألونكم نفرا من رجالكم فلا تعطوهم رجلًا واحداً واحذروا.
ثم جاء غطفان فقال: يا معشر غطفان إني رجل منكم ثم قال لهم ما قال لقريش فلما أصبح أبو سفيان، وذلك يوم السبت في شوال سنة خمس من الهجرة بعث إليهم أبو سفيان عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش، إن أبا سفيان يقول لكم: يا معشر اليهود إن الكراع والخف قد هلكتا وإنا لسنا بدار مقام فاخرجوا إلى محمد حتى نناجزه فبعثوا إليه أن اليوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا ولسنا مع ذلك بالذي نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم نستوثق بهم لا تذهبوا وتدعونا حتى نناجز محمدا. فقال أبو سفيان: قد حذرنا والله هذا نعيم فبعث إليهم أبو سفيان أنا لا نعطيكم رجلًا واحداً فإن شئتم أن تخرجوا وتقاتلوا وإن شئتم فاقعدوا. فقالت اليهود: هذا والله الذي قال لنا نعيم. فبعثوا إليهم: أنا والله لا نقاتل حتى تعطونا رهنا، وخذل الله بينهم وبعث سبحانه عليهم الريح في ليال شاتية باردة شديدة البرد حتى انصرفوا راجعين.