من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٤ - سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[٥١] تقدِّم أطوار نفس الإنسان دليلا وجدانيا على عجزه وحاجته إلى الخالق وإلى الرسالة التي تربيه وتزكيه، ولو عاد الإنسان إلى حرم نفسه لشاهد فيها من آيات الله بما يراها في آفاق السماء و الأرض. ومن تلك الأطوار مدى تأثره بحالة الغنى والفقر، والعافية والمرض. وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ إنه في حالة الرخاء والنعمة يعرض عن ذكر الله، ويتجنب الداعين إلى الله، بجعل جانبه مواجها لهم، ثم يتولى عنهم. وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ وأما إذا أصابه شر فإنه يعتكف في المسجد ليبدأ مرحلة التبتل والدعاء، وهذا التوجه إلى الدعاء العريض من بعد ذلك الإعراض دليل ضعفه عن مواجهة المشاكل، ومعرفته بأن الله هو المتفضل بالنعمة عليه، ولكنه لضيق نفسه ومحدودية استيعابه تاه في غرور النعمة، وفقد سيطرته عليها، وجعلها حجابا بينه وبين الله. وهذا الإنسان الذي تتحدث الآية عنه قد يكون هو أنا وأنت ونحن، لذلك لا بد أن نعي وننتبه، لا بد أن نعقل ونحذر.
[٥٢] بعد أن ألقى السياق الضوء على مدى العجز والفاقة والمسكنة التي أركست فيها نفس الإنسان حتى تراها تتأثر إلى حد التطرف بالمؤثرات الخارجية، مما يهديه إلى سفاهة الكبر ويشعره بضرورة العودة إلى فطرته في التسليم لربها، بعدئذ أخذ- السياق- يذكره بضرورة أخذ الحيطة لنفسه، وقال قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ أي لو كان القرآن حقا ثم كفرتم به، ولم تقوموا بالاحتياط الكافي لأنفسكم، فإنكم سوف تصبحون في ضلال بعيد عن جادة الحق.
إن الإنسان يبحث فطريا عن الأمن، ولولا الكبر الذي انطوت نفسه عليه والغرور والحجب لاستمع إلى إنذار الرسل، وقال في نفسه: لو كان هذا الإنذار صحيحا لوجب أخذ الحيطة لنفسي بالاستماع إلى شواهد المنذرين وآيات الله التي تتجلى على أيديهم، ولو فعل ذلك وألقى السمع من دون وقر الكبر والعجب اهتدى إلى الحق. ثم إن عقل الإنسان يهديه بضرورة أخذ الحيطة حتى بمجرد افتراض صحة ما يقوله الرسل، بهذا ذكر الإمام الصادق عليه السلام أحد الملحدين الذي طال جداله في الدين، فبعد أن رأى عبد الكريم ابن أبي العوجاء الإمام في الحج، وطلب منه العودة إلى النقاش، رفض الإمام قائلا
[لَا جِدَالَ فِي الحَجِّ.
وَنَفَضَ رِدَاءَهُ مِنْ يَدِهِ وَقَالَ عليه السلام
إِنْ يَكُنِ الأَمْرُ كَمَا تَقُولُ
- وَ لَيْسَ كَمَا تَقُولُ-
نَجَوْنَا وَنَجَوْتَ، وَإِنْ يَكُنِ الأَمْرُ كَمَا نَقُولُ
- وَهُوَ كَمَا نَقُولُ-
نَجَوْنَا وَهَلَكْتَ.
فَأَقْبَلَ عَبْدُ الكَرِيمِ عَلَى مَنْ مَعَهُ فَقَالَ: وَجَدْتُ فِي قَلْبِي حَزَازَةً فَرُدُّونِي فَرَدُّوه فَمَات] [١].
[٥٣] وأما الطريق إلى الحقيقة فهو بديع الخلق وحقائق النفس.
[١] الكافي: ج ١، ص ٨٧.