من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٣ - فبشر عباد
أولًا: إن عليهم الإنابة إلى الله في كل حين، فكلما هزمتك ضغوط السلطة الفاسدة نفسيا، ومِلْتَ إليها أو خضعت لقوانينها، أو مالأتها خشية بطشها أو رغبة عطائها فلا بد أن تعود إلى طهرك، وتتوب إلى الله متابا، لتكون لك البشرى على لسان نبيك المرسل، إذن ها هنا أمر عام بالاجتناب. وعن أبي جعفر عليه السلام قال
(مَنْ أَصْغَى إِلَى نَاطِقٍ فَقَدْ عَبَدَهُ) [١].
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمْ الْبُشْرَى ويدخلك الله في حصن عبوديته. فَبَشِّرْ عِبَادِ.
[١٨] لا يفرض الطاغوت على الناس هيمنته حتى ينشر بينهم فلسفته، فهو كمدخنة كبيرة تنفث دائما تيارا من الدخان الأسود فتلوث الأجواء.
إن أجهزة إعلامه السلطوية تبث بين الناس الأفكار الشركية التي تبعدهم عن ربهم، وتشيع فيهم أفكارا باطلة تسلبهم ثقتهم بأنفسهم، وتفرق كلمتهم وتضعهم في هالة من الأمنيات، وتشيع فيهم أنه مرهوب الجانب، وقراراته صائبة، وهو رجل إلهي مقدس. كما أنها تبث فيهم العصبيات العرقية والقبلية والقومية، وتحمد إليهم أصنام التراث وأنصاب المصالح المادية. وحول الطاغوت يتحلق طائفة من تجار الدين والعلم، يوحون إليه بالمكر، ويزينون له باطله، و يلمعون للناس وجهه.
ثانياً: وهكذا يصبح التخلص من دائرة نفوذ الطاغوت عملا عسيرا يحتاج إلى همة واجتهاد، ولعل هذا ما تشير إليه كلمة اجْتَنَبُوا في الآية السابقة، التي تتخصص في هذه الآية باجتناب الثقافة الطاغوتية إذ يقول ربنا الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وهكذا يصف الذين تجانبوا الطاغوت وتأثيراته الشركية بأنهم لا يتبعون أي قول بل يستمعون بوعي ثم ينتخبون أحسنه وفق معايير الوحي والعقل.
ولكن كيف يتم ذلك؟
أولًا: إن عباد الله يتعاملون مع القول الذي يعبر عن الفكرة باهتمام منهم، لا يسمعونه بل يستمعون إليه، وفرق بينهما كبير، فالسماع لا اهتمام فيه بعكس الاستماع، وهكذا جاء في الحديث
(قَالَ المَسِيحُ عليه السلام خُذُوا الحَقَّ مِنْ أَهْلِ البَاطِلِ وَلَا تَأْخُذُوا البَاطِلَ مِنْ أَهْلِ الحَقِّ كُونُوا نُقَّادَ الكَلَامِ فَكَمْ مِنْ ضَلَالَةٍ زُخْرِفَتْ بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله)[٢].
[١] الكافي: ج ١ ص ٤٣٤.
[٢] بحار الأنوار: ج ٢ ص ٩٦.