من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٩ - يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور
منه، وهو من ورائهم رقيب؟!
وحينئذ يرتسم في الأفق سؤال عريض ربما ينطق به كل شيء، لأنه سؤال الساحة الذي يقتضيه الحال، وقد ينادي به مناد من عند الله، السؤال هو لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ والإجابة يحكيها لسان الواقع، وهي التي وردت في فاتحة الكتاب التي وصفت الله بأنه مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وهنا أيضا يقول القرآن مجيبا عن النداء أو السؤال المفترض لِلَّهِ الْوَاحِدِ فلا يشاركه أحد في الملك والحكم. الْقَهَّارِ والقهار هو أبرز سمات الانفراد بالملك، حيث لا شيء يعجز الله ويقهره، ولا أحد ينازعه على الملك إلا وقصمه، بل ما سواه تعالى مقهورا له. وملك الله ليس محدودا بالآخرة وحسب، فهو الملك في الدنيا أيضا، ولكن الكفار يعمون ويصدون عن هذه الحقيقة بعنادهم وبفقدانهم للبصيرة الهادية حيث رفضوا رسالات الله، أما المؤمنون فهم يعرفون هذه الحقيقة بعمق، لهذا يسلِّمون لله ولمن يختاره راضين طائعين.
جاء في الأثر في تفسير هذه الآية الكريمة عن يعقوب الأحمر قال: دخلنا على أبي عبد الله عليه السلام نعزيه بإسماعيل فترحم عليه ثم قال
[إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ نَعَى إِلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه واله نَفْسَهُ قَالَ
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
وقَالَ
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ
ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ فَقَالَ إِنَّهُ يَمُوتُ أَهْلُ الأَرْضِ حَتَّى لَا يَبْقَى أَحَدٌ ثُمَّ يَمُوتُ أَهْلُ السَّمَاءِ حَتَّى لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا مَلَكُ المَوْتِ وحَمَلَةُ العَرْشِ وجَبْرَئِيلُ ومِيكَائِيلُ عليه السلام قَالَ فَيَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ عليه السلام حَتَّى يَقُومَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فَيُقَالُ لَهُ مَنْ بَقِيَ وهُوَ أَعْلَمُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَلَكُ المَوْتِ وحَمَلَةُ العَرْشِ وَجَبْرَئِيلُ ومِيكَائِيلُ عليه السلام فَيُقَالُ لَهُ قُلْ لِجَبْرَئِيلَ ومِيكَائِيلَ فَلْيَمُوتَا فَتَقُولُ المَلَائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ يَا رَبِّ رَسُولَيْكَ وأَمِينَيْكَ فَيَقُولُ إِنِّي قَدْ قَضَيْتُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ فِيهَا الرُّوحُ المَوْتَ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ حَتَّى يَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فَيُقَالُ لَهُ مَنْ بَقِيَ وهُوَ أَعْلَمُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَلَكُ المَوْتِ وحَمَلَةُ العَرْشِ فَيَقُولُ قُلْ لِحَمَلَةِ العَرْشِ فَلْيَمُوتُوا قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ كَئِيباً حَزِيناً لَا يَرْفَعُ طَرْفَهُ فَيُقَالُ مَنْ بَقِيَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَلَكُ المَوْتِ فَيُقَالُ لَهُ مُتْ يَا مَلَكَ المَوْتِ فَيَمُوتُ ثُمَّ يَأْخُذُ الأَرْضَ بِيَمِينِهِ والسَّمَاوَاتِ بِيَمِينِهِ ويَقُولُ أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يَدْعُونَ مَعِي شَرِيكاً أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يَجْعَلُونَ مَعِي إِلَهاً آخَرَ] [١].
[١٧] ثم يبيِّن القرآن أن كون الملك للواحد القهار لا يعني أنه يجور على الناس، تعالى ربنا عن الظلم والحيف، إنما يحاسبهم على أساس المقاييس العادلة التي جاءت ببيانها رسالات الأنبياء. الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ في السر أو العلانية، قليلا كان أو كثيرا، والآية تلغي المقاييس الأخرى الباطلة، كالفداء والشفاعات المزعومة، أو أن ينتفع الإنسان
[١] الكافي: ج ٣ ص ٢٥٦.