من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٤ - لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله
وجدت؟ وكيف تعود حين تذهب؟ بلى، إنك إن سمحت لنظراتك أن تعبر حاجز الظاهر إلى حقيقة السنن فإنها تغور في ألغاز الخليقة.
لا بد أن تلامس رافد الحقيقة عن كثب، أما إذا وقفت على الشاطئ باسطا كفيك إليه ليبلغ فاك فلن يبلغه، خُضِ البحر حتى تحظى بالجوهر، ألقِ الحجاب عن عينيك ترى قدرة الله تتجلى في البساط الأخضر الذي يفرشه الربيع- بإذن الله- على الأرض من ملايين النباتات المفعمة بأسرار الحياة. إن تنوع النباتات، وسرعة التهاب الحياة في جنباتها، وانسياب القدرة من أطرافها، يهدينا كل ذلك إلى أن إحياء الموتى على الله يسير، والبشر بدوره كنبتة واحدة بين ملايين النباتات. بل يهدينا ذلك إلى أن القدرة الإلهية لا تحد، لأن شدة التنوع، وكثافة الخلق، وعظمة التدبير، وسرعة التطوير، لا يدع كل ذلك مجالا للشك في أن الله واسع القدرة، ولا شيء يعجزه أبدا.
إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ جاء علي بن فضال إلى الإمام الرضا عليه السلام يسأله: لم خلق الله الخلق على أنواع شتى، ولم يخلقه نوعا واحدا؟ فأجابه قائلا
[لِئَلَّا يَقَعَ فِي الأَوْهَامِ أَنَّهُ عَاجِزٌ فَلَا تَقَعُ صُورَةٌ فِي وَهْمِ مُلْحِدٍ إِلَّا وَقَدْ خَلَقَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهَا خَلْقاً، وَلَا يَقُولُ قَائِلٌ: هَلْ يَقْدِرُ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ عَلَى صُورَةِ كَذَا وَ كَذَا إِلَّا وَجَدَ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى؛ فَيَعْلَمُ بِالنَّظَرِ إِلَى أَنْوَاعِ خَلْقِهِ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [١].
[٤٠] قلب البشر كالأرض، إذا خشع لربه واستجاب لآيات الله أحياه الله بالإيمان أما إذا استكبر ولم يستجب لآيات الله كان كالصخرة الصماء التي لا تهتز للغيث. وبما أن الخليقة تفيض بآيات الله فإن الكفار يسعون جاهدين التخلص من آثارها على نفوسهم، فتراهم يلحدون فيها، ويحرفونها عن مواضعها، ويبحثون لأنفسهم عن تبريرات لكي لا يؤمنوا بها، ولكن هل تنطلي تبريراتهم وخدعهم على ربهم؟ كيف وهو الذي خلقهم وأحاط بهم علما؟
إنهم سوف يلقون في نار جهنم يوم القيامة، لقد فروا من مسؤوليات الإيمان إلى ظل الإلحاد (التبرير) زاعمين أنه ينجيهم من العقاب، بينما النجاة كانت في التسليم لآيات الله، وتقبل مسؤولياتهم.
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا جاءت هذه الآية بعد ذكر الآيات، لأن كثرة الآيات لا تنفع من يتهرب من التأثر بها، وقال فريق من المفسرين: إن معنى الإلحاد هو ما كانوا يفعلونه من المكاء والتصدية، وكأنهم نظروا إلى ظاهر كلمة الإلحاد الذي يدل على الفعل المتعدي إلى الغير،
[١] بحار الأنوار: ج ٣، ص ٤١.