من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٣ - أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين
السيئة التي اجترحوها في الدنيا، فهي حينئذ تصير ألوانا من العذاب، ولكن هل يمنع هذا الخوف عنهم شيئا، كلا .. بلى؛ لو أنهم خافوا من ارتكاب المعاصي في الدنيا لنفعهم خوفهم لأنه حينذاك يصير سببا للتقوى، أما يوم القيامة فلا .. تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ أي ينزل عليهم سواء أشفقوا أم لم يشفقوا.
ويأخذنا القرآن في المقابل إلى منظر مناقض آخر، هو منظر المؤمنين الذين تحول إيمانهم وعملهم الصالح إلى جنة ورضوان من الله. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ وأي رياض هذه التي يرزقها المؤمنون؟! دعنا هنا نقرأ شيئا من كلام أمير المؤمنين عنها حيث يقول عليه السلام
[فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا ولَذَّاتِهَا وزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا ولَذَهِلَتْ بِالفِكْرِ فِي اصْطِفَاقِ أَشْجَارٍ غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثْبَانِ المِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا وفِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فِي عَسَالِيجِهَا وأَفْنَانِهَا وطُلُوعِ تِلْكَ الثِّمَارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا تُجْنَى مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَتَأْتِي عَلَى مُنْيَةِ مُجْتَنِيهَا ويُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالأَعْسَالِ المُصَفَّقَةِ والخُمُورِ المُرَوَّقَةِ قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الكَرَامَةُ تَتَمَادَى بِهِمْ حَتَّى حَلُّوا دَارَ القَرَارِ وأَمِنُوا نُقْلَةَ الأَسْفَارِ فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ أَيُّهَا المُسْتَمِعُ بِالوُصُولِ إِلَى مَا يَهْجُمُ عَلَيْكَ مِنْ تِلْكَ المَنَاظِرِ المُونِقَةِ لَزَهِقَتْ نَفْسُكَ شَوْقاً إِلَيْهَا ولَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِي هَذَا إِلَى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ القُبُورِ اسْتِعْجَالًا بِهَا جَعَلَنَا اللهُ وإِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْعَى بِقَلْبِهِ إِلَى مَنَازِلِ الأَبْرَارِ بِرَحْمَتِهِ][١].
[١] نهج البلاغة: خطبة: ١٦٥.