من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٨ - أليس الله بكاف عبده
في حدود نفسه وشهواتها لا يستطيع أن يعطي، وإنما يعطي من يفكر في حاجات الآخرين قبل حاجات نفسه، فالإحسان إذن أرفع مراحل التكامل البشري، فقد يكون الإنسان متقيا ولكن لا يعطي إلا بحساب، والمحسن موقن بالخلف فيستسهل البذل. و الظاهر أن الإيمان والتقوى يكتمل بالإحسان، وهو أعلى المراحل في المسيرة الإيمانية.
[٣٥] ويبقى المتقون خائفين من سيئاتهم التي إن بقيت أكلت جانبا من حسناتهم، ولكن الله يطمئنهم حين يَعدِهُم بغفرانها لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا إذا كان الخط العام للإنسان في الحياة سليما فإن هفواته تغتفر له، كما لو كانت استراتيجية القائد سليمة فإن أخطاءه التكتيكية لا تؤثر عليه كثيراً، بعكس ما إذا كانت استراتيجيته خاطئة فإن صواب خططه المرحلية لا ينفعه شيئا. وهكذا إذا كان الخط العام لحياة شخص سليما، فتولى الله ورسوله وأولي الأمر حقا، ونهض بواجباته في التحصن ضد الانحرافات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فلم ينصر ظالما، ولا خذل مظلوما، ولا أكل أموال الناس بالباطل، ولا أدلى بها إلى الحكام، وبالتالي اجتنب فواحش الذنوب، ثم ارتكب اللمم وهي الصغائر، أو حتى الكبائر بلا جحود ولا إصرار، ثم تاب إلى ربه متابا فإنه ترجى له مغفرة الله.
أما من كان خطه العام منحرفا فكان وليا لأعداء الله، معينا للظلمة على عباد الله، فإن كثرة صلاته و صومه لا تنفعه، كذلك لو عاش على الحرام حتى نبت لحمه وعظمه منه. ولعل المعيار الأساس في ذلك ألا تكون السيئة الصادرة من منطلق سيء، إذ قد يرتكب المرء ذنبا ولكن قلبه لا يزال مطمئنا بالإيمان فيمكن تدارك الأمر، ولكن الذي يرتكب الموبقات وهو جاحد بربوبية الرب، مستحل للمحرمات، فإن توبته إلى الله بعيدة. وتشجيعا لحالة الإحسان في الأمة ألغى الإسلام الضمان عن المحسنين الذين يقعون في الخطأ، فقال سبحانه مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة: ٩١]. ومضت هذه الآية قاعدة فقهية استنبط العلماء منها أحكاما كثيرة حيث أسقطوا بها الضمان من الذين يريدون الإحسان ولكنهم يخطئون فيلحقون ضررا بالطرف الآخر، كمن أراد إنقاذ غريق فتسبب جهله بطريقة الإنقاذ إلى المساهمة في غرقه. وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ.
[٣٦] ومن العقبات التي تعترض طريق المؤمنين المحسنين خشية الناس، والخوف من مقاطعتهم و هجرهم، ولكن الله وعدهم بكفايتهم شر الناس، والله سبحانه هو الذي يحفظ السماوات والأرض أن تزولا، فكيف لا يحفظ عبده؟! أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ بلى؛ إن الله يكفي عبده شر جور السلاطين، وكيد الحاسدين، وبغي الظالمين. وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بإثارة الرعب في قلبك ممن هو من دونه سبحانه، أن يضلوك عن سبيله. وَمَنْ