من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٦ - أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه
الجاهلية التي تزعم بأن الأنثى ذات روح حيوانية، فبهذا الاختلاف يكون التنامي والتناسل، ولكن لو تحول هذا الاختلاف إلى خلاف بين الطرفين، وانتهى بالتالي إلى الطلاق والعداء. أفلا تنقرض البشرية من على وجه الأرض؟! بلى، وهكذا لو اختلفت القبائل والشعوب، وسعت لفرض عاداتها وطبائعها على الآخرين، لأن الله خلق كل مجموعة بشرية لتحقق هدفا خاصا في الحياة، أما لو تصارع الجميع لفرض شخصيتهم على بعضهم فسوف ينتفي التعارف والتعاون والتكامل مما يجعل الحياة جحيما لا تطاق. يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ أي يجعل تكاثركم وانتشاركم بسبب هذا الاختلاف، ولعل من الحكم الأخرى للاختلاف إشعار الإنسان بعجزه الذي تدل عليه حاجته للآخرين، التي هي بدورها تدل على حاجته إلى الله، لأنه الصمد الذي لا كفو له ولا شريك ولا شبيه.
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ونتساءل: لماذا أضيف كاف التشبيه على (مثل)، في الوقت الذي كان يكفي أن يقال: ليس مثله شيء؟ هل الكاف هنا زائدة كما قال بعض المفسرين؟ أم أن في المعنى لطفا بديعا!. نحن نميل ألا ننسب الزيادة إلى كلام ربنا، وبعبارة أن ما درج عليه النحاة من اعتبار الزيادة قد يصح نحويا لا دلاليا. اللهم إلا التي تكون للتأكيد، ولا معنى ظاهر للتأكيد هنا، فنعود ونتساءل: إذا ما معنى الكاف؟. التفت بعض المفسرين إلى معنى المثل الذي يختلف ظلاله عن كلمة (ند) أو شبه و مساوي وشكل، حيث إن ظلال كلمة المثل توحي بجانب القيم و الصفات والأسماء، بينما ظلال الند توحي بالتشابه في الجوهر، وظلال (الشبه) توحي بالتماثل في الكيفية، أما كلمة (المساوي) فتوحي بالتشابه في الكمية، وإيحاء (الشكل) هو التماثل في المساحة [١]. فإذا قلنا لَيْسَ كَمِثْلِهِ أي لا يشابه صفاته وأسماءه أحد، فالكاف بمعنى التشبيه، والمثل بمعنى مجمل الصفات والأسماء، والله العالم.
وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ فلا يزعم أحد أنه مادام ربنا لا شبيه له ولا كفو فهو بعيد عنا لا يسمع ولا يرى، كلا .. إن تعاليه لا يتنافى وقربه إلى درجة أنه يسمع ما نقول، ويبصر ما نفعل، فهو رفيع الدرجات وهو أقرب إلينا من حبل الوريد.
[١٢] وهو الذي يرزق من يشاء ما يشاء، فيعطي لشعب الطاقات والمعادن، ولآخر العلم و الإرادة، فإذا بالناس يختلف بعضهم عن بعض لتتعاون البشرية مع بعضها، كما أن ربنا يفتح للبشرية أبوابا متعددة من الرزق، وإذا ما نفذ شيء منه تلطف عليهم بآخر يحل محله، فإذا بالآفاق الواسعة تتفتح بقدرة الله أمام البشرية لتجدد الطاقات البديلة عن النفط الذي بات مهددا بالنضب. وما يدرينا لعلهم يهتدون إلى تحويل الماء إلى طاقة محركة كما اهتدوا من قبل إلى
[١] راجع: مفردات غريب القرآن: ص ٤٦٢.